فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لا يسع المجال لأن نستقرئ جميع الآيات المباركة التي أكدت بلسان السنة التأريخية، والطبيعة الأخلاقية لبني اسرائيل، ذلك لأن هذه الآيات المذكورة آنفًا ـ وغيرها ـ لا تتحدث عن حادثة واقعة، وواقعة معينة .. بقدر ما هي تؤكد على حقيقة نفسية، وسلوك راسخ، تجعلهم لا يوفون بميثاق، ولا يلتزمون بعهد .. والتعبير بـ (أوَكلّما عاهدوا عهدًا) و (كلما جاءهم رسول) و (فبما نقضهم ميثاقهم) ، و (ينقضون عهدهم في كل مرة) ، إنما هي تعابير تدل على الاضطراد والاستمرار والثبات إلى درجة تجعل من أخلاقية نقض العهود ونبذ المواثيق طابعًا نفسيًا يهوديًا على مدى التاريخ.
وهذا ما يصدقه التأريخ القريب والبعيد، كما يصدّقه الواقع المعاصر .. فلم يلتزم الاسرائيليون حتى بقرارات مجلس الأمن التي جاءت لمصلحتهم، وتكريسًا لاعتداءاتهم، كقرار مجلس الأمن رقم 242 عام 1967 الذي كان اعترافًا باسرائيل دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين فحسب!!
ـ ثانيًا: النكوص والهزيمة في أول المواجهة
(لن يضروكم إلا أذىً وأن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا يُنصرون. ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس وباءوا بغضب من الله. وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) ، (لأنتم أشد رهبةً في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) ، (لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) .
(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) .
إن من طبيعة اليهود الجلاء في أول الحشر ـ كما حصل ليهود بني النضير ـ غذ لم تستمر المقاومة في حصونهم إلا أيامًا معدودة. وقد فاجأ الانهيار السريع الجميع، فلا أحد كان يتوقع ذلك: (ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم) .
لقد فاجأ الجلاء المفاجئ المسلمين واليهود معًا .. وقد بيّن القرآن الكريم سر ذلك الانهيار .. إنه الخوف والرعب الذي يعيشه اليهود في داخل أنفسهم، فلم تنفعهم حصونهم: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب) .
نفوس خاوية، وقلوب فارغة، وأقدام متزلزلة، وهزيمة مكتوبة بل مضروبة: (لن يضروكم إلا أذى وأن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون. ضربت عليهم الذلة) .
والتعبير بالضرب له دلالاته وايحاءاته أنه يعني الثبات أولًا والاحاطة ثانيًا. الثبات كما تضرب السكة أو كما يضرب المسمار في الحائط، والاحاطة كما تضرب الخيام!!
هكذا هي طبيعة اليهود .. ضربت عليهم الذلة والمسكنة .. أينما وجدوا .. وفي أي بقعة من الأرض حلوا:
(ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحل من الله وحبل من الناس) .
والاستثناء المذكور في الآية له دلالاته وايحاءاته أيضًا فقد يكون اشارة ـ في واقعنا المعاصر ـ إلى الحلفاء كأمريكا وغير أمريكا .. وقد يكون اشارة إلى غير ذلك .. لأنهم لا يستطيعون الوقوف وحدهم، لما عليه من الذل والهوان.
وقد يتساءل البعض: إذا كان هذا هو حال اليهود في كل زمان ومكان، فلماذا نراهم في حال انتصار في جميع الحروب التي خاضوها مع العرب؟
الجواب واضح وبيّن:
إنهم أقوياء لضعفنا واستكانتنا وهزيمتنا وعمالة المتصدين الذين يقسمون بالله جهد إيمانهم أنهم لمع القدس وفلسطين. وإلا فإنه يكفي لثلة مجاهدة كحزب الله في لبنان أن تهزم اسرائيل هزيمة منكرة ما فعلت معشارها الجيوش العربية!!
وما أروع ما قاله الشاعر محمد الفيتوري ابان احتلال اسرائيل للقدس في نهاية الستينات، تلك القصيدة التي تخاطب الرسول الأكرم (ص) وتشخص سر ضعفنا وانتكاستنا وهزيمتنا، وانتصار مَن ضربت عليهم الذلة والمسكنة علينا:
يا سيدي .. عليك أفضل الصلاة والسلام من أمة مضاعفة
تقذفها حضارة الخراب والظلام
يا سيدي ..
منذ ردمنا البحر بالسدود ..
وانتصبت ما بيننا وبينك الحدود
متنا
وداست فوقنا ماشية اليهود
من هنا ندرك دلالات وأبعاد كلمات رؤساء (اسرائيل) التي تخشى من عودة (المارد) الاسلامي:
(يُتْبَعُ)