ـ [أبو معاذ البخيت] ــــــــ [07 Jun 2004, 08:39 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .. أما بعد:
الموضوع الثالث من هذه المهمات: هو:
أسباب النزول
فما المراد بسبب النزول؟
نقول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه سواء كان حادثة أو سؤال.
وقولنا: (أيام وقوعه) يخرج نحو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (الفيل:1) فهي تتحدث عن قصة؛ لكن هل يقال سبب نزول سورة الفيل هو قدوم أبرهة؟ الجواب: لا.
وكذلك الآيات التي تحدثت عن فلق البحر لموسى صلى الله عليه وسلم هل نقول: سبب النزول: فلق الله البحر لموسى؟ الجواب: لا.
فقولنا: (أيام وقوعه) يعني أن تكون القضية جديدة عايشها الصحابة فيتحدث القرآن عنها، وليست قضية غابرة قديمة قصها القرآن علينا فإن هذا من قصص القرآن ومن أخبار القرآن.
ومعلوم أن القرآن منه ما ينزل ابتداء وهو الغالب، ومنه ما ينزل بسبب واقعة أو سؤال، كأن يوجه للنبي صلى الله عليه وسلم سؤال فتنزل آية أو آيات معينة في الجواب عنه، وإذا عرفت هذا حصل لك التوسط بين من بالغ وأراد أن يبحث لكل آية عن سبب نزول، حتى صار يتكلف في أشياء لم يرد فيها رواية أصلًا ويقول: سبب نزول هذه الآية كذا، وبين من لم يلتفت إلى هذا أصلًا؛ كأبي عبيدة معمر بن المثنى المعتزلي صاحب مجاز القرآن، فإنه يأتي فيفسر قوله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (لأنفال:11) فيقول: يربط على القلوب فتثبت الأقدام في المعركة فلا تفر. فهذا الكلام غير صحيح؛ فكان من المفترض أن ينظر في سبب النزول قبل أن يفسر هذا التفسير اللغوي، لأن سبب النزول يدل على أن الصحابة كانوا على أرض دهسة تسوخ فيها الأقدام، فأنزل الله عز وجل عليها المطر، فتلبدت فثبتت الأقدام عليها، فمن عرف سبب النزول، والواقعة و الملابسات؛ عرف معنى الآية، وسيأتي ذلك في فوائد معرفة أسباب النزول.
ولهذا نقول إن معرفة هذا الباب ـ أسباب النزول ـ أمر ضروري لمن أراد أن يفهم القرآن، فهو من الشروط الأساسية لذلك، مع أننا نقول بأن أسباب النزول ليست على وتيرة واحدة من الأهمية من حيث انكشاف المعنى الذي يترتب على معرفتها، فأحيانًا حتى لو لم نعرف السبب يكون المعنى واضحًا، وأحيانا لا نفهم الآية إلا بسبب النزول، فهو على خمس مراتب من حيث الأهمية كما سيأتي ذكرها بإذن الله.
الفوائد من معرفة سبب النزول:
1/ معرفة الحكمة التي من أجلها شُرِع هذا الحكم، فمثلا قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة:12) قد يتساءل الإنسان فيقول ما الحكمة من هذه الصدقة؟! فإذا عرف سبب النزول؛ وهو أنهم أكثروا على النبي صلى الله عليه وسلم من النجوى، فكثر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وشق عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحي أن يردهم فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) (المجادلة: من الآية12) فهذا فيه نفع للفقراء، وفيه تزكية للإنسان حين يتصدق، وفيه أيضًا الأصل من شرع الحكم والحكمة منه؛ وهو التخفيف على الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما شرع هذا الحكم توقفوا عن النجوى، فاستراح النبي عليه الصلاة والسلام.
2/ ذكر بعضهم فائدة أخرى، ولا حاجة بنا إليها على قول الجمهور وهي: تخصيص الحكم به عند من يرى العبرة بخصوص السبب، والواقع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبالتالي لا حاجة بنا إلى هذه الفائدة، إنما يحتاج إليها من يقول بأن العبرة بخصوص السبب.
(يُتْبَعُ)