فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 3127 من 53113

3/ أن اللفظ قد يكون عامًا، وقد يأتي دليل مخصص يخرج بعض الأفراد، فتبقى صورة السبب قطعيةَ الدخولِ في العام، ولا يجوز إخراجها منه بالاجتهاد.

4/ الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال؛ لأنه في كثير من الأحيان لا يمكن الوقوف على المعنى إلا بمعرفة سبب النزول، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ومن أمثلة ذلك:

قول الله عز وجل: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93) فقدامة بن مظعون رضي الله عنه شرب الخمر، وكان مِمَن شهد بدرًا، فجيء به في عهد عمر رضي الله عنه من البحرين، فقيل له: لماذا شربت الخمر؟ فقال: الله يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ) (المائدة:93) وقال: أنا آمنت، وهاجرت، وشهدت بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فبين له عمر أن هذا ليس هو المقصود من الآية، وبين له سبب نزولها، وهو أن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ خرجوا إلى أحد وقد شربوا من الخمر ما شربوا، ومنهم حمزة رضي الله عنه وذلك قبل تحريم الخمر، فقتلوا والخمر في أجوافهم، فلما حرمت الخمر؛ استشكل الصحابة ذلك فقالوا: كيف بإخواننا الذين قتلوا وهي في أجوافهم؟ فأنزل الله عز وجل: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93) أي: قبل تحريم الخمر، وبهذا يتبين كيف يكون سبب النزول في غاية الأهمية.

مثال آخر: الله عز وجل يقول: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115) لو جاء إنسان وأخذها على ظاهرها، لقال: إن الصلاة لا يشترط لها الاتجاه إلى القبلة، وما يذكره الفقهاء من اشتراط ذلك فإن الآية تدل على خلافه، فمعرفة سبب النزول تزيل هذا الإشكال، وذلك أن قومًا اجتهدوا في السفر فصلى كل رجل حسب اجتهاده، ووضعوا خطوطًا في ليلة غائمة، فلما أصبحوا وجدوا أن بعضهم صلى إلى غير القبلة فأنزل الله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115)

وأيضًا: صح أن اليهود لما حولت القبلة من بيت المقدس احتجوا، وقال المؤمنون كيف بصلاتنا السابقة إلى بيت المقدس؟ فقال الله عز وجل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115) وليس معناه أن تتجه حيث شئت.

وهكذا عروة بن الزبير حينما جاء إلى عائشة رضي الله عنها يقول: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) يعني أن السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة على التخيير، لقوله: (فلا جناح عليه) أي: لا حرج عليه، فلا يجب السعي عليه، هكذا فهم، فردت عليه عائشة رضي الله عنها، وبينت سبب النزول وهو: أن الأنصار رضي الله عنهم ـ الأوس والخزرج ـ كانوا يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة لأنه كان عليها صنمان (إساف ونائلة) فكانوا يطوفون في الجاهلين تقربًا إليهما، فلما أسلموا تحرجوا من السعي؛ شخية أن يكون ذلك من أعمال الجاهلية؛ فقال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة:158) لا حرج عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، فزال الإشكال بمعرفة سبب النزول .. وهكذا في أمثلة أخرى ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت