فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 4723

فإن البون بين هؤلاء وبين أهل السنة شاسع، والهوة عميقة، ولا مهاودة في الأمر، إلا أن يخوضوا في حديث غيره، ويعيدوا الأمر على نصابه.

وتأكيدًا لما أقرره هنا من أن الخلاف في المسالة جوهري حقيقي وليس لفظيًا صوريًا، أذكر نقلين مهمين عن عالمين جليلين، من فحول علماء عصرنا، هما سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، حفظهما الله وأمد في عمرهما على طاعته.

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله معلقًا على قول الطحاوي:"والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان"."هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت، وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان" [1] .

وقال الشيخ الألباني حفظه الله معلقًا على الموضع نفسه:"قلت: هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافًا للسلف وجماهير الأئمة كمالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالإركان وليس الخلاف بين المذهبين اختلافًا صوريًا كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى, بحجة أنهم جميعًا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء الله عفا عنه، فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحًا، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلكن وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها، ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفًا ظاهراص، بل باطلًا، ذكر الشارح نموذجًا منها."

(1) انظر"تعليقاته على" (( الطحاوية ) ) (1/ 265) من"مجموع فتاواه ومؤلفاته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت