بل حكى عن أبي المعين النفسي أنه طعن في صحة حديث"الإيمان بضع وسبعون شعبة".. مع احتجاج كل أئمة الحديث به ومنهم البخاري ومسلم في"صحيحهما"! وهو مخرج في"الصحيحة""1769"وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم! ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًا، وهم يجيزون لأفجر واحد نهم ان يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام! كيف وهم بناءًا على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاسقًا فاجرًا - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول أنا مؤمن حقًا! والله عز وجل يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2 - 4] . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا [النساء: 122] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبي قائلًا ... لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟" [1] ."
وبهذا التحقيق الجيد، يعلم أن الخلاف في المسألة حقيقي جوهري، وبخاصة أنه قد أدى إلى ما أدى إليه ما انحراف ظاهر وضلال بين، وصار ذريعة إلى بدع أهل الكلام وإلى ظهور الفسق والغلط، في جوانب عديدة. قال شيخ الإسلام:"فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله ولا سيما وقد صار ذلك الخلاف ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق" [2] .ولهذا فإن سلفنا الصالح اشتد نكيرهم على هذا القول من أول حدوثه، رغم خفته عما هو عليه الآن، فلما قال به حماد بن أبي سليمان وهو أول من قال به، ثم تبعه عليه من تبعه من أهل الكوفة وغيرهم، أنكر عليهم السلف أشد الإنكار وأغلظوا القول فيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال:"ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدًا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرًا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطًا عظيمًا والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء" [3] .ومرادي من هذا النقل التدليل على أن السلف الصالح اشتد نكيرهم وأغلظوا القول فيمن قال بالإرجاء، ولهذا سمى أبو عبيد القاسم بن سلام من قال بأن الإيمان يزيد وينقص - وعدد الذين ذكرهم جاوز المائة والثلاثين رجلًا - ومرادهم بذلك إظهار المخالفة لمن قال بعدم الزيادة والنقصان"ذكر من الكوفيين من ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم؛ لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولًا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان، فاحتاج علماؤها أن يظهروا انكار ذلك، فكثر منهم من قال ذلك" [4] .
(1) (( العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني ) ) (ص42، 43) .
(2) (( الفتاوى ) ) (7/ 294) .
(3) (( الفتاوى ) ) (7/ 507) .
(4) (( الفتاوى ) ) (7/ 311) .