وعقلٌ هائم، وحزنٌ لازم، وقالوا: الحسود لا يسود. . . . قال رَوْحُ بن زنباع الجُذاميُّ: كنت أرى قومًا دوني في المنزلة عن السلطان يدخلون مداخِلَ لا أدخلُها، فلمّا أذهبت عنّي الحَسدَ دخلتُ حيث دَخلوا. . . . وقال ابن المُقفّع: أقلُّ ما لِتاركِ الحسدِ في تركه أن يَصرِفَ عن نفسه عذابًا ليس بمُدْرِكٍ به حَظًّا ولا غائِطٍ بهِ عدوًّا، فإنّا لمْ نرَ ظالِمًا أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، طولُ أسفٍ، ومحالفةُ كآبةٍ وشدّةُ تحرُّقٍ، ولا يبرح زارِيًا على نعمة اللهِ ولا يجد لها مَزالًا، ويُكدِّر على نفسه ما به من النّعمةِ فلا يجد لها طعمًا ولا يزال ساخِطًا على مَنْ لا يَترضّاه ومتسخِّطًا لما لن ينالَ فوقَه، فهو منغَّص المعيشةِ دائمُ السّخْطةِ محرومُ الطّلِبة، لا بِما قُسم له يقنعُ ولا على ما لم يقسم له يَغْلِب، والمَحسود يتقلَّبُ في فضل اللهِ مُباشرًا للسُّرورِ منتفِعًا به مُمَهَّلًا به إلى مُدَّةٍ ولا يقدر الناسُ لها على قطعٍ وانتقاص. . . وقال أبو تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلةٍ ... طُوُيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ
لولا اشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ
لولا التّخوُّفُ لِلْعَواقبِ لَمْ تَزَلْ ... لِلْحاسِدِ النُّعْمى على المَحْسودِ
وقال البحتري:
ولَنْ يَسْتبينَ الدَّهْرَ مَوْضِعُ نِعْمةٍ ... إذا أنْتَ لَمْ تُدْلَلْ عليها بِحاسِدِ
وقال عبد الله بن المعتز:
اصْبِرْ على كَيْدِ الحسو ... دِ فإنَّ صَبْرَك قاتِلُهْ
فالنّارُ تأكُلُ نَفْسَها ... إنْ لَمْ تَجِدْ ما تأكُلُهْ
وقال ابن المقفع أيضًا: الحسد والحرص دعامتا الذنوب، فالحرص أخرج آدم عليه السلام من الجنة، والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى