فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 460

إن أمره بالإحرام من ميقات فأحرم من غيره، كأن قال له: أحرم عني من الجحفة فأحرم عنه من ذي الحليفة، فهنا هو أحرم من الميقات، فلا شيء عليه في ذلك، ولا يرد شيئًا من النفقة.

وإن أمره بالإحرام من بلده فأحرم من الميقات، كما لو فرضنا أنه قال له: حج عني من هنا من الإسكندرية تلبس الإحرام وتلبي، فهو لم يفعل، وأحرم من الميقات من ذي الحليفة أو من رابغ، فهذا أتى بما طلبت منه الشريعة، فليس عليه أن يرد شيئًا من أجل أنه فعل ما أمر به شرعًا.

وإن أمره بالحج في سنة أو بالاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز؛ لأنه مأذون فيه في الجملة: فإذا أمره بالحج عنه في السنة المقبلة فحج عنه هذا العام فهذا خير له أنه فعل هذا الشيء الآن، وإن آخر في السنة التي بعدها، فهذا أيضًا صحت الحجة وله الأجر، ولكن يكره له أن يفعل ذلك؛ لأنه مأمور الآن، فالأمر يتوجه عليه أن يفعل هذا الذي أمر به الآن، وخاصة إذا قلنا: إن الحج يجب على الفور.

وإن استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما وقع عن نفسه دونهما؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما.

بمعنى: إذا استنابه اثنان في نسك واحد فأحرم به عنهما، فهذا قال له: حج عني، والثاني قال له: حج عني، وهذا لا يعرف أنه قد طلب منه غيره، فخرج يلبي: لبيك عن فلان وعن فلان، فمثل هذا لا يقع إلا عنه هو فقط ويغرم المال الذي أخذه لأصحابه، فهو إن أحرم عن نفسه وعن غيره وقع عن نفسه؛ لأنه لا تكون عن فلان وعن فلان نيتان والعمل واحد، فهذا لا يصح في الفريضة، إذًا: الذي يحج إما أن يحج عن واحد، وإما أن يحج عن نفسه.

والحج عن نفسه هل سيكون تطوعًا أو فريضة؟ لا ينفع ابتداء أن أطلب ممن لم يحج عن نفسه أن يحج عني؛ فمن خرج يلبي عنه وعن فلان فهي عنه فقط، ويرجع لهما أجرتهما.

وإن أحرم عن أحدهما غير معين، فلم يعين في نيته فلانًا هذا، بل قال له: حج عني، وأعطاه الأجرة، فقال: لبيك عن أحدهما، في هذه الحالة يعين أحدهما ويرد للآخر ماله، وإن وصل إلى الطواف بالبيت وما زال معلقًا أن الحجة هذه عن فلان وعن فلان وهو يطوف بالبيت فلا ينفع وتنقلب وتصير الحجة له هو، ويرد النفقات لأصحابها.

وإذا جامع الأجير وهو محرم قبل التحلل الأول فسد حجه: فهذا أجير أو نائب ذهب ليحج عن فلان، ثم لما قضى بعض المناسك وقبل أن يتحلل التحلل الأول -والتحلل الأول لا يتم بأن يرمي جمرة العقبة أو يحلق شعره أو يذبح الهدي، فإذا تحلل التحلل الأول فهو ما زال متلبسًا بالنسك- فإذا جامع قبل التحلل الأول فسد الحج، بخلاف ما بعد التحلل الأول فعليه دم، ولا يفسد حجه، ولو أفسد بالجماع قبل التحلل الأول فهو يفسده على نفسه، والحج ينقلب إليه هو، فهو الذي أفسد الحجة، ويمضي في الحجة الفاسدة، وعليه القضاء لهذه الحجة الفاسدة، وتلزمه الفدية، ويرد النفقة والأجرة لصاحبها، فإن كانت إجارة عين فيأتي بها واقعة عن الأجير ويرد الأجرة، وإن كانت في الذمة، أي: إذا عينت أن فلانًا هذا بعينه يحج عني هذا العام فلا تنفع حجة هذه السنة، ولا ينفع أن يحجها عنك مرة أخرى، وتنفسخ الإجارة، ويرد المال لصاحبه، ويلزمه القضاء بعد ذلك على ما ذكرنا.

وإن كانت في الذمة -أي: ليست متعينة هذه السنة- فهي في ذمته، والحجة الفاسدة تنقلب إليه ولا يلزمه أن يرد المال، ولكن نقول له: بعدما تحج هذا العام الحج الفاسد ففي العام الذي يليه تقضي عن نفسك بعد ذلك وتحج عن صاحبك، وما زال الأمر متعلقًا بك.

ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظنًا منه أنه ينصرف، وأتم الحج على هذا الظن، فلا ينصرف الحج إلى الأجير بل يبقى للمستأجر؛ لأن الإحرام من العقود اللازمة، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره.

وصورة المسألة: أن إنسانًا أحرم وهو أجير عن المستأجر، وقال: لبيك عن فلان، والأجير كان قد حج عن نفسه قبل ذلك، والآن هو نائب عن آخر، ثم بدا له أن يجعل هذه الحجة له ويرد المال لصاحبه، ومضى على هذه النية حتى أنهى المناسك، فقد وقع كل حجه عن صاحبه، وليس له أن يغير النية؛ لأن العقد صار لازمًا بتلبيته عن فلان؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (هذه عنك، ثم حج عن شبرمة) ، فانقلبت إليه لكونه لم يحج عن نفسه قبل ذلك، فلو كان حج عن نفسه لصارت الحجة لفلان هذا طالما أنه لبى باسم فلان وقال: لبيك حجًا عن فلان ولم تنقلب، حتى لو زعم وظن الأجير أنها تنقلب هذه الحجة إليه، ويستحق الأجير الأجر المسمى لحصول غرض المستأجر.

وإن خرج الحاج للحج فمات في الطريق، فهل يمكن أن نستنيب آخر يقوم مقامه ويكمل؟ الراجح أن هذا هو الأفضل، وأن يخرج من المكان الذي توفي فيه من يكمل له مناسك الحج، وتصح النيابة عنه في ذلك، أو فيما بقي من النسك، سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره؛ فإن كان لنفسه فهذا هو الأصل، وإن كان لغيره -النائب أو الأجير- فيكمل من هذا المكان إنسان آخر يحل محله، ويكمل المناسك عن هذا الإنسان؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها قضى عنه باقيها كالزكاة، والظاهر عدم وجوب ذلك؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك: هل يجب إكمال الحج عن هذا المتوفي أو لا يجب؟ فلو أن الذي يحج عن غيره كان نائبًا أو أجيرًا فلا بد أن تكمل الحج عن هذا الآخر؛ لأنه أخذ أجرة على ذلك ومات في الطريق، إذًا: ورثة هذا الأجير يكملون عنه هذه الحجة، لكن لو أن إنسانًا ذهب يحج عن نفسه ومات في الطريق، فهل يلزم ورثته أن يأتوا بمن يكمل عنه المناسك؟ الراجح أنه لا يلزم ذلك؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فأوقصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم آخر أن يكمل الحج عنه، فدل على أن الذي يتوفى في الحج يبعث يوم القيامة ملبيًا وله الأجر على ذلك، لكن وجوب الإكمال هو في حق الأجير الذي يأخذ أجرة على ذلك؛ لأن الإجارة في ذمته، وإذا توفي تنتقل إلى ورثته، فهم الذين يقيمون غيره ليكمل هذه المناسك عن صاحبهم؛ لأن المستأجر لم يستفد شيئًا، فالأجير هو الذي أحرم وصاحبه لم يتم عنه الحج، فعلى ذلك يلزمهم أن يكملوا هذه الحجة عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت