ولو أنهم أكملوا الرمي في الأيام الأربعة سيكون المجموع سبعون حصاة: سبع منها لجمرة العقبة في يوم العيد، وثلاث وستون حصاة للأيام الباقية وهي أيام التشريق، فيرمي كل يوم الجمرات الثلاث: جمرة العقبة الأولى وهي الصغرى، ثم الثانية الوسطى، ثم الثالثة الكبرى، ويرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويأخذ كل يوم إحدى وعشرين حصاة، فيأتي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وهي أولاهن من جهة عرفات؛ لأن مكة في الإمام ومنى في النصف بين الاثنين، إذًا: الجمرة الأولى ستكون أقرب لعرفات أو ناحية عرفات.
والجمرة التالية يتقدم نحوها باتجاه مكة، وهي الجمرة الوسطى، ثم بعدها الجمرة الكبرى، وهي أقرب الجمرات إلى مكة.
فيأتي الجمرة الأولى حتى يكون ما عن يساره أقل مما عن يمينه، إذًا: هو متوجه إلى الجمرة، والجمرة أمامه، واتجاهه يكون للقبلة وهو يرمي الجمرة الأولى.
وموقف النبي صلى الله عليه وسلم كان ما عن يساره أقل مما عن يمينه، فلو فرضنا أن مكان الجمرة محدود بطرفين عن اليمين وعن اليسار فكأنه أقرب لليسار قليلًا، ويرمي الجمرة وهو متوجه للقبلة من أي مكان، المهم أن يرميها سواء من الدور الأرضي، أو من فوق الكوبري، أو من أي مكان رماها فكله جائز، ولكن الأفضل هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم لمن استطاع.
إذًا: الجمرة الأولى يكون أقرب لليسار منه إلى اليمين، ووجهه للقبلة، ثم يرمي الجمرة بسبع حصيات يقول مع كل حصاة: الله أكبر ويرمي.
ثم يتقدم عنها وينحرف قليلًا ويجعلها خلفه، ويقف في موضع لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمى به، فيستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو مع حضور القلب وخضوع الجوارح، ويمكث قدر سورة البقرة -هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم- يدعو ما استطاع، لكن مع الزحام الشديد أحيانًا تدفع الناس بعضها بعضًا، ولا يستطيع أن يقف، فإذا استطاع أن يقف ويدعو فترة طويلة فهذا حسن.
وإذا كان وقوفه سيضيق على الناس المرور فلا يقف، والمكان قد يموت فيه أناس ويسقط فيه أناس، فلا يضيق عليهم، وفي هذا المكان كثيرًا ما يحصل الزحام ووقوع وموت بعض الناس بسبب أخطاء يفعلها الحجاج.
ومن أخطائهم: الكسل، فتجد الرجل يرجع للخيمة من أجل أن يأخذ ما سيذهب به إلى مكة، ويأخذ معه البطانية وحقائبه، ويمشي بها في الزحام، ثم مع الزحام لا يقدر أن يشد حقيبته ويعرقل من وراءه، وإذا سقط أحد لا يقدر أن يقف بسبب الزحام الشديد، والذي يقع يداس بالأرجل، ولذلك إذا كنت سترمي الجمرة فلا تأخذ معك أكثر من حصياتك التي سترميها، ولا تضايق أحدًا بها، حتى لو سقط حذاؤك فلا تتعب نفسك لتأخذه، فقد لا تستطيع الوقوف.
ومن أخطاء الحجاج أنه إذا ضاع نعله يدفع يمينًا وشمالًا يريد أن ينزل ليأخذه، ثم يعرقل الذي وراءه ويؤذي الحجاج.
فلابد أن يكون الإنسان رفيقًا بالناس رحيمًا، ولا يؤذي من معه بالأمتعة في هذا المكان، إذ المكان ليس مكان حمل أمتعة، وإذا رميت فارجع وخذ حاجاتك التي سوف توصلها إلى مكة إذا كان لك حاجات تذهب بها إلى هناك.
وبعدما وقف ودعا سيتقدم للجمرة الثانية، وهي الجمرة الوسطى، ويصنع فيها كما صنع في الأولى، ويقف للدعاء كما وقف في الأولى، ويتركها عن يمينه ويتقدم قليلًا منقطعًا عن أن يصيبه الحصى، ثم إذا رماها أيضًا وهو متوجه إلى القبلة سيتركها عن يمينه؛ لأن موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة الكبرى كان على اليسار، وسيكون الطريق أسهل ليتقدم حتى يصل إلى الجمرة الثالثة بعد ذلك.
ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر، فيرميها من بطن الوادي ولا يقف عندها للذكر، ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه.
إذًا: كل جمرة يرميها مستقبلًا للقبلة، إلا الثالثة فلا يستقبل فيها القبلة، ولو استقبلت القبلة وأنت في الدور الأرضي من أجل أن ترميها سيكون أمامك السور وليس نفس المرمى؛ لأن كل جمرة عبارة عن دائرة، والجمرة الكبرى نصف دائرة مؤخرها سور، فلو وقفت تحت ورميتها وأنت مستقبل القبلة فلن تصل إليها، فلا بد أن تكون إما أمامها وظهرك للقبلة، وإما عن يمينها أو شمالها، فموقف النبي صلى الله عليه وسلم كان على اليسار، وكانت مكة عن يساره صلى الله عليه وسلم، ومنى عن يمينه يستقبلها ويرميها من بطن الوادي صلوات الله وسلامه عليه.
وبعد رمي الجمرة الثالثة لا يوجد دعاء، لكن في الجمرة الأولى وقف ودعا دعاء طويلًا، وكذلك الجمرة الثانية بعدما رمى وقف ودعا دعاء طويلًا.
جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا -أي: القريبة- بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل -أي: ينزل في السهل- فيكون مستقبلًا القبلة، فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبلًا القبلة، فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل) .
هذه الكيفية التي ذكرناها في الرمي: أن الجمرة الأولى يجعلها عن يمينه أكثر مما هي عن يساره ويرمي، ثم يتقدم قليلًا ويقف ويدعو، ثم يتقدم إلى الثانية ويفعل مثلما فعل في الأولى، ثم يتقدم عن الشمال إلى الثالثة ويقف، ويجعل جانبه الأيسر إلى مكة وجانبه الأيمن إلى منى، ويرمي تلقاء وجهه.
هذا كله من السنة، لكن الفرض الذي فيه هو رمي كل واحدة بسبع حصيات، وأن يرتبها، فيبدأ بالأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.
كما أن الدعاء والذكر وغيرهما مما زاد على أصل الرمي هو مستحب، فإذا رمى الأولى ثم انطلق إلى الثانية ولم يدع أو دعا قليلًا فقد ترك الفضيلة ولا شيء عليه.
عليه أن يرمي في المرمى سواء كان بحذائه أو فوقه أو في الطوابق العليا قريبًا منه أو بعيدًا، والشرط أن تقع الحصيات في المرمى، وليحذر الحاج من إيذاء أحد في رميه.