الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روى البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر رأسه ولحيته، فقال: يا رسول الله! أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعًا في حجك فاصنع في عمرتك) .
فهذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، والجعرانة: ميقات للإحرام بالعمرة، وهي من الحل وقد أحرم منها النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة في عام حنين عام فتح مكة.
والتنعيم: مكان آخر من الحل أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها بالعمرة، فهذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الجعرانة، وكان عليه جبة، والمحرم لا يجوز له أن يلبس الجبة، ولذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم بنزعها، وكان مصفرًا رأسه ولحيته، أي: كان واضعًا طيبًا على رأسه ولحيته مما جعل اللحية والرأس صفراء وفيها رائحة الطيب، فقال له: (اغسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعًا في حجك فاصنع في عمرتك) ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة هذه الأشياء التي لا يجوز له أن يلبسها في الإحرام.
فهذا الرجل كان جاهلًا، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بفدية لجهله، إذًا إذا فعل الإنسان شيئًا من محظورات الإحرام جاهلًا بتحريم ذلك، كأن تطيب، أو لبس، أو دهن رأسه أو لحيته جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه، إلا أنه ينزع عنه هذه الأشياء التي وضعها.
فإن ذكر ما فعله ناسيًا، أو علم ما فعله جاهلًا لزمه المبادرة حالًا فينزع عنه الجبة التي يلبسها، ويزيل عنه أثر الطيب ويغسله، ولا شيء عليه، فإذا شرع في الإزالة وطال الزمن فلا شيء عليه، فلو فرضنا أنه استمر في غسل الطيب ولم تزل الرائحة موجودة وأخذت منه وقتًا فلا شيء عليه.
لكن إذا أخر الإزالة فيحرم عليه ذلك، كأن يقول: عندما أعود سوف أخلع الجبة، فيكون بهذا قد تعمد اللبس مع معرفته بالحرمة، أو أخر إزالة الطيب كأن قال: عندما أعود سوف أزيل الطيب، مع إمكان إزالته حالًا، ففي هذه الحالة تلزمه الفدية؛ لأنه أخر الإزالة بلا عذر، وإن تعذر عليه إزالة الطيب أو اللباس -أي: أنه مع وجود العذر- فلا شيء عليه، فإذ أبطأ إنسان أو كان بيده علة أو غير ذلك، فلم يستطع أن يغسل أثر الطيب، كأن تكون يده مقطوعة، أو كلتا يديه مقطوعة، فإن انتظر حتى يفعل له شخص آخر ذلك فهو معذور ولا شيء عليه، ومتى تمكن ولو بأجرة لزمه أن يبادر إلى ذلك.
ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيبًا فلا شيء عليه، أي: أنه يعرف أن وضع الطيب في الإحرام حرام، لكنه وجد زجاجة ولا يعرف ما بداخلها، فإذا أمسكها وشمها فخرج منها طيب على أنفه أو يده فلا شيء عليه، إلا أنه يلزمه إزالته في الحال.
وإذا مس طيبًا يظنه يابسًا فكان رطبًا فلا فدية، أي: لو أن رجلًا رأى قطعة طيب فظنها يابسة فأراد أن ينقلها من مكان إلى مكان آخر، فلزق بيده الطيب غسله حالًا ولا شيء عليه.
وإذا حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيًا الإحرام أو جاهلًا تحريمه فلا فدية على الأرجح في ذلك، أي: أن الإنسان إذا نسي فأخذ الشفرة وحلق شعره ناسيًا لإحرامه، أو جاهلًا لحكمه، ومثله يجهل ذلك، كرجل لا يعرف أحكام الإحرام، ومع جعله يجهل أن قص الشعر حرام في أثناء الإحرام، فإن كان جاهلًا حقًا فالراجح أنه لا شيء عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
والمغمى عليه والمجنون والصبي الذي لا يميز إذا أزالوا في إحرامهم شعرًا أو ظفرًا فلا فدية، وفرق بين الصبي الذي لا يميز والصبي المميز، فالمميز نقول: عليه الفدية احتياطًا لخلاف العلماء في ذلك، أما غير المميز فحكمه حكم المجنون.
وإذا جامع المحرم قبل التحلل من العمرة، أو قبل التحلل الأول من الحج ناسيًا لإحرامه أو جاهلًا فالراجح أنه لا يفسد نسكه، مثاله: لو أن رجلًا في أثناء إحرامه بالعمرة أو في أثناء إحرامه بالحج رجع إلى الفندق ونسي، فجامع أهله، أو فعله وهو جاهل لتحريمه، ومثله يجهل ذلك، فعلى الراجح أنه لا شيء عليه، ولا يفسد نسكه.
وإذا حلق الحلال أو المحرم شعر محرم بغير إذنه، كأن جاء رجل حلال فقص شعره، أو جاء محرم آخر فقص شعره، فإن كان نائمًا أو مكرهًا أو مجنونًا أو مغمى عليه فالفدية تجب على من حلقه، أي: على من فعل به ذلك؛ لأنه انتهك الإحرام وعصى الله عز وجل بما صنع، فالفدية على الفاعل، سواء كان محرمًا أو كان حلالًا.
ولو حلق محرم رأس حلال جاز ذلك، فلو فرضنا أن محرمًا أثناء الإحرام حلق لحلال شعره جاز له ذلك؛ لأنه لم يفعل معصية.