فالنساء بما فُطرن عليه من الاعوجاج،وحدة العاطفة،يحتجن حتمًا إلى تقويم وتربية وتأديب،ولأجل هذا خوَّل الله تعالى الرجال هذه المسؤولية حيث قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (34) سورة النساء.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - في عشرته مع أهله لم يستغن عن اتخاذ هذا الأسلوب ليكون أسوة لأمته في التربية والتأديب .
فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما سأله نساؤه النفقة الخارجة عن حده،وأردن التوسع في الدنيا ولذَّاتها،خلاف ما اختاره لنفسه منها،هجرهُنَّ وآلى من الدخول عليهن شهرًا،حتى أنزل الله تعالى عليه:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (29) سورة الأحزاب،يا أيها النبي قل لأزواجك اللاتي اجتمعن عليك،يطلبن منك زيادة النفقة: إن كنتنَّ تردن الحياة الدنيا وزينتها فأقبِلْنَ أمتعكنَّ شيئًا مما عندي من الدنيا،وأفارقكنَّ دون ضرر أو إيذاء.
وإن كنتن تردْنَ رضا الله ورضا رسوله وما أعدَّ الله لكُنَّ في الدار الآخرة،فاصبرْنَ على ما أنتُنَّ عليه،وأطعن الله ورسوله،فإن الله أعد للمحسنات منكنَّ ثوابًا عظيمًا. (وقد اخترن الله ورسوله،وما أعدَّ الله لهن في الدار الآخرة) . فخيَّرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البقاء معه على الكفاف،أوالمفارقة فاخترن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك من حديث أنس وأم سلمة وابن عباس في الصحيحين وغيرهما .
وهكذا كان - صلى الله عليه وسلم - إذا جدَّ الجدُّ في معاملته لهن،بأن أخطأن خطأ لا يمكن التغاضي عنه،وذلك بأن كان دينيًا،فإنه لا تأخذه في الإنكار عليهن وزجرهن في الله لومة لائم،فكان يعظ،ويوجِّه،ويخوف،ويغضب،.. بحسب مقام كل قضية مما هو معلوم ولا يخفى أمره . وهذا مما يدل على تكافؤ أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - وتوازنها،حيث يضع كل أمر في نصابه ومحله اللائق