فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 215

حتى ما بقي له عليه السلام اختيار فيما ينزل عليه أو ينقطع عنه، فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يكثر عليه، وقد يفتر عنه أحوج ما يكون إليه.

ثم ها هو ذا الوحي ينقطع عن النبي وهو أشدّ ما يكون إليه شوقا، وله طلبا فبعد أن نزل عليه جبريل بأوائل سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فتر الوحي ثلاث سنين، فحزن النبيّ- كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، وبينا هو ماش ذات يوم إذ سمع صوتا من السماء فرفع بصره، فإذا الملك الذي جاءه بحراء فرعب منه فرجع إلى زوجته الوفيّة خديجة يقول: زمّلوني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، فمي الوحي وتتابع واستبشر النبيّ وتبدّل انتظاره الحزين فرحة غامرة، وأيقن أن هذا الوحي الذي استعصى عليه ولم يوافه طوع إرادته مستقل عن ذاته خارج عن إرادته، فاستقر في ضميره الواعي.

إن مصدر هذا الوحي هو الله علام الغيوب. وفي الصحيحين: أن الوحي فاجأه وهو يقظ يلتمس الحقيقة ويبحث عن الله، ولذلك رعب وجاء خديجة يرجف فؤاده. ولو وقع له هذا في المنام كما ذهب إليه بعض المفسّرين لزال خوفه ورعبه بعد اليقظة. فلأمر ما قال القرآن: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى.

بهذه الحساسية الواعية المرهفة صورت السيدة عائشة بدء الوحي فقالت:

«أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه «1» الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها- وصار على هذا النمط- حتى جاءه الحق، وفي رواية: «فجأه

الحق» - وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: «اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ» .

(1) يتحنث أي يتعبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت