فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 215

لجمع القرآن، بل لتقييد محفوظ كل منهم، كان ذلك على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعده، مخافة النسيان أو الخطأ. ولسوف يكون لنا في ذلك حديث.

فلما كان أمر أبو بكر لزيد، وفد الصحابة سراعا بما لديهم يضعونه بين يدي زيد، ويوثقونه بشهادة العدول.

هذا كل ما في الأمر، لكن أهداف الاستشراق تريد أن تخلع عن عمل أبي بكر ميزة الجدّية، وأن تجرد من كونه عملا تضافرت عليه جهود، وتوافرت له صفة التواتر، أي قطعية الثبوت، ليصبح في نظر الناس عملا فرديّا، لم تدفع إليه مصلحة عامة، وليس هو بأولى من غيره بالالتزام والمتابعة.

وعودة إلى حال هذا المصحف في عهد عمر رضي الله عنه، حين أصبح أميرا للمؤمنين، لنؤكد أنه استمر على ما كان عليه أيام أبي بكر، مع مزيد من النشاط وتفوق مستمر في تعليم الناس القرآن، وتجنبهم أن يخطئوا في قراءته على الوجه الذي ينبغي أن يقرأ به، في حدود الأحرف السبعة «1» .

وقد عثرنا على خبر يدل دلالة واضحة على ما نقول، فقد روي عن محمد بن سعد في طبقاته عن محمد بن كعب القرظي، بإسناده قال: جمع القرآن في زمان النبي صلّى الله عليه وسلم، خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر ابن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا «2» ومثلوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فدعا عمر أولئك الخمسة، فقال لهم:

إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني، رحمكم الله، بثلاثة منكم إن أجبتم، فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير، لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم، لأبيّ بن كعب، فخرج معاذ، وعبادة، وأبو

(1) نفس المصدر السابق ص 10، 11.

(2) يريد: كثر عددهم ونموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت