فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 215

رسمه من الإعجام، حتى يتسع الرسم لكثير من الوجوه التي صح نقلها عن النبي صلّى الله عليه وسلم «1» .

ثم إن هدفا آخر قد تحقق بعمل عثمان، هو التقريب اللغوي ما بين وجوه القراءة المتلوّة آنذاك في الأمصار المختلفة، والقضاء على الخلاف الذي كاد يعصف بوحدة الجماعة، أي أن عمل عثمان كان من مقاصده أساسا نشر النص القرآني بلسان قريش، وإرساء هذا التقليد اللغوي الذي سبقته مقدمات كثيرة في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقد ساعد على ذلك أمر عثمان بإحراق كل ما عدا مصحفه من صحف أو مصاحف كان قيدها الصحابة والآخذون عنهم، وقد انصاع لأمره الناس في سائر الأمصار، فيما عدا ما روي عن عبد الله بن مسعود من أنه عارض ذلك، وأمر الناس في الكوفة بالتمسك بمصحفه قائلا: كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله رسول الله صلّى الله عليه وسلم، بضعا وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، «والله ما نزل من القرآن، إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله منّي لأتيته» «2» .

فابن مسعود عارض في إحراق مصحفه، وفي عمل عثمان أيضا، لشبهة اعترته، هي ظنه أن زيدا قد تفرّد بالعمل، وقد كان هو أولى من يقوم به، فلما علم بعد ذلك أن موقفه قائم على شبهة لا أكثر ولا أقل، وأن المصحف الذي أرسله عثمان هو نسخة من جمع أبي بكر الذي أخذ من صدور الرجال، ومن العسب واللخاف التي كتبت على عهد رسول الله، وأنّ زيدا لم ينفرد بالعمل بل شاركه فيه جمع كبير من الصحابة، وأجمع عليه المسلمون، وافق اقتناعا أولا، وحفاظا على وحدة الأمة ثانيا.

(1) تاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين ص. 116.

(2) نفس المصدر السابق ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت