أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخرّوا سجّدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة فكلّما مرّ بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟
قال: الحق، فينتهي به حيث أمر».
وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السّلسلة على الصفوان، فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة» وأصل الحديث في الصحيح. وفي تفسير عليّ بن سهل النيسابوري: قال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزّة فحفظه جبريل، وغشي على أهل السموات منه هيبة كلام الله، فمرّ بهم جبريل وقد أفاقوا وقالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني القرآن، وهو معنى قوله:
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فأتى به جبريل إلى بيت العزّة فأملاه على السفرة الكتبة- يعني الملائكة- وهو معنى قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ «1» .
وقال الجويني: كلام الله المنزل قسمان: قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول افعل كذا وكذا وأمر بكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبيّ وقال له ما قاله ربّه، ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول يقول الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرّق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ على النبيّ هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابا ويسلّمه إلى أمين ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا ا. هـ. (قلت) : القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السّنّة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السّنّة بالمعنى، لأن جبريل أدّاها
(1) نفس المصدر السابق ص 59 وما بعدها.