إذًا: المظلة الأولى: قالوا: هذه العقيدة الصافية السلسة السمحة هي التي وحدت المسلمين، وجعلتهم بهذه الصورة، فلننشئ مظلة عقائدية تسحب عددًا منهم وتجعلهم ينافسون المظلة الأم.
قالوا: من أكبر علمائنا: لبيد بن الأعصم الذي سحر الرسول، فقالوا له: عندك عقائد قوية يا لبيد! فأخرجها، قال: والله لا أستطيع إخراجها؛ لأن عندي أناسًا أقوياء من الصحابة، فلو أخرجت كلمة واحدة لأسكتوني وأنا ذمي.
إذًا: هل تموت ويموت علمك معك؟ قال: لا، بل سآتي بواحد وأدرسه عقائدي، وهذا الرجل هو: طالوت ابن أخت لبيد، وفعلًا تربى طالوت على هذا المنهج، ثم بعد ذلك جاء طالوت ليبث هذه العقائد، لكنه وجد التابعين، إذًا: لم ينجح هذا وهو يهودي، فصار يطبق نفس المنهج على رجل مسلم اسمه: بيان بن سمعان التميمي، وهو رجل ضال مضل ساذج، فأخذه وعلمه، ثم قام بيان بتعليم الناس وإغواء السذج، وما أكثر الذين يستجيبون للسذاجة خصوصًا عامة الناس.
ولا بد أن نعي أن هؤلاء العامة يسيرون مع كل أحد؛ ولذلك يقول أبو الدرداء عن هؤلاء: الناس صنفان: عالم ومتعلم، وباقي الناس همج ولا خير فيهم.
فإما أن يكون عالمًا، وإما أن يكون متعلمًا، فإن لم يكن عالمًا ولا سائلًا عن منهج العلم، فإن هذا من الذين لا خير فيهم.
ولذلك بدأ هذا يؤثر في العامة، فجمع له عامة كثيرين جدًا، وترتب على هذا أنه أغواهم واستهواهم حتى إنه ادعى في آخر الأمر أنه نبي، وهو الذي يقول: إن الله أنزل في قرآنًا عندما قال: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران:138] ؛ لأن اسمه: بيان بن سمعان التميمي.
وكان من تلامذته: الجعد بن درهم، فعندما وصل الأمر في نهاية المطاف إلى أنه ادعى أن الإله حل فيه وادعى الألوهية نفر منه تلميذه الجعد وتركه، فجاء بآراء منها: أن الإله لا يمكن أن يحل شيء فيه، وبالتالي لا يمكن أن يرى ولا يشاهد وليس له صفات، فنفى الصفات تمامًا، وكانت هذه ردة فعل قوية لعمل بيان بن سمعان هذا الذي وصل إلى قمة التشبيه.
وفعلًا نجح الجعد في تكوين جماعة، وكان من جماعته أو حزبه: الجهم بن صفوان، وهذا الجعد قبض عليه، وحقق معه فأقر واعترف، فحكم عليه بالقتل، وقتله خالد بن عبد الله القسري حيث ذبحه كما تذبح الشياه في أصل المنبر، فإنه قال في الخطبة: ضحوا تقبل الله ضحايكم! فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل وذبحه في أصل المنبر كما تذبح الشياه.
فعندما رأى الجهم هذه القضية هرب إلى اليهود في حران في شمال العراق، وتلقى منهم علمًا غير العلم الذي تلقاه من الجعد، ثم كان الطلب عليه قويًا فهرب إلى الهند، ومكث في الهند فترة عند الهندوس، وتلقى منهم علمًا، ثم رجع مرة أخرى واختفى في العراق عند الصابئة الذين يعبدون الكواكب، وتلقى منهم علمًا، وانظروا إلى هذا الخليط من العقائد التي أخذها، ثم بدأ يدرس في طرف من أطراف العالم الإسلامي.
لكن المسلمين كانوا له بالمرصاد، فكانت هناك قصة عجيبة طويلة لا أذكرها لكم إلا بشكل موجز: فقد كان يدرس أتباعه في نفي الصفات والأسماء وغير ذلك، فوقف أعرابي يستمع إليه، ثم عندما انتهى هذا من درسه قام الأعرابي وارتجز قصيدة سهلة: ألا إن جهمًا كافرًا بان كفره ومن قال قول جهم يومًا فقد كفر لقد جن جهم إذ يسمي إلهه سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر إلى آخر الأبيات الطويلة، وقد ذكرها الألوسي في (جلاء العينين) ، فترتب على ذلك أن سلم بن الأحوز حاكم الأمويين آنذاك قبض عليه فقتله، لكن هل انتهى مذهب الجهمية الذي أسسه الجهم بن صفوان؟ لا لم ينته.
إذًا: فمنهج الجهمية ينسب إلى اليهود، لكن جاءت المعتزلة بعد ذلك وأخذت مذهب الجهمية فرممته من هنا وهناك وأخرجته للناس، واستجابت السلطة لمنهج المعتزلة وفرضته فرضًا على الناس، واستجاب الناس له بقوة السلاح والحديد والنار، إلا ذلك العالم العظيم أحمد بن حنبل الذي وقف وقفة عجيبة قوية في وجه هؤلاء.
ولذلك يقول العلماء: إن الناس ثلاثة: أبو بكر في وقفته في حروب الردة، وعمر في وقفته في وجوه بني أمية، وأحمد بن حنبل في وقفته تجاه المعتزلة.
فقد وقف لهم وحيدًا وتحداهم ونصره الله سبحانه وتعالى عليهم، ثم قامت فئة أخرى وأخرجوا لنا مذهب الأشاعرة.
إذًا: منهج الأشاعرة يرجع إلى المعتزلة، والمعتزلة يرجع إلى الجهمية، والجهمية يرجع إلى اليهود، وهذه نقطة مهمة لا بد أن نعيها جميعًا، فهذه المظلة التي كانت خاصة بالمنهج الكلامي، وقد كان لها قوة عجيبة في مسألة حرب المظلة الأساسية: وهي مظلة العقيدة الصافية، وقد يقول قائل: كيف الحرب؟ أقول: تذكروا واعرفوا ماذا فعلت المعتزلة من أفاعيل عجيبة في ضرب التوحيد وأهل السنة؟ ماذا فعل الأشاعرة عندما نشروا المذهب الأشعري في كل مكان وحاصروا أهل السنة؟