يقول عليه الصلاة والسلام: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكًا تلفًا) ، وهذا الحديث يجعلني أقف عنده وقفتين: الوقفة الأولى: آخذها من آخر الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم! أعط ممسكًا تلفًا) ، الآن هو ممسك المال، وإذا نظرت إلى حسابه ستجده مائة مليون أو خمسين مليونًا، ومع ذلك هو ممسك للمال، فإذا كان المال عنده، فكيف يتلف هذا المال؟! أيها الأحبة! البخيل بالرغم من كثرة ماله فهو كأنه لا يملك شيئًا، وبالتالي فماله هذا يجمعه لمن سيأتي من بعده من ورثته، ففي أحد الأيام اتصلت امرأة تشكو مر الشكوى من زوجها، وتقول: إن زوجي يملك كذا وكذا وكذا من المال العيني والسيولة النقدية، ومع ذلك فإنه لا يعطينا شيئًا بطريقة لا يمكن أن تتصورها، فأنا من حب الاستطلاع أردت أن أعرف؛ لأنها قالت: هل يجوز لي أن أطالبه بالطلاق؟ فقلت في نفسي: لقد علمنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن المرأة تطلب من زوجها الطلاق بدون وجه حق، فإنها إن فعلت لا ترح رائحة الجنة، فقلت لها: أعطيني أمثلة ونماذج من بخله؟ فقالت: تصور أنه يأتي بقارورة الجبن ويجعلها في الثلاجة، ويقول: لا تفتحيها إلا بحضوري، ويقول: لا بد أن تبقى هذه القارورة في الثلاجة شهرًا كاملًا، وأسافر أنا وهو إلى أهله على بعد أربعمائة كيلو من الرياض، والله لا يأذن بشراء ولا علبة عصير لأبنائه في السيارة، ويقول: إذا وصلنا إلى أهلي ستجدون العصير والفاكهة والأكل هناك، نذهب ونعود ولم يشتر لنا شيئًا، فقلت لها: ربما أنه لا يملك شيئًا، فبدأت تعطيني قائمة بما يملك، وإذا به يملك الشيء الكثير والكثير والكثير، فتذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا) ، فهذا ممسك ولكنه كأنه لا يملك شيئًا، كأن ماله قد تلف وأتلف، فالله أكبر، دلالة الحديث عجيبة جدًا، وفي نفس الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (اللهم أعط منفقًا خلفًا) .
يقول أحد الإخوة وهو يروي عمن عايش الحدث: كان هناك رجل من كبار التجار مسافر هو وصاحب له إلى مكة لأداء العمرة، وعندما عادوا من مكة ومروا على منطقة في السيل في الطائف، فقرروا أن يصلوا في أحد المساجد، فعندما دخلوا المسجد وأدوا الصلاة إذا بإمام المسجد يأخذ الميكرفون ويتحدث ويقول: يا إخوان! ترون الآن أن هذا الزمان زمان أمطار، وأنتم ترون حال المسجد، فالماء ينزل في المسجد من كل اتجاه، ويشير إلى فرجات في المسجد، وكيف تشققت نتيجة لهذا الماء الذي ينزل من السقف التالف، ثم قال: نريد أن نعمل بعض الترميم لهذا المسجد، فما رأيكم أن تجمعوا لنا بعض التبرعات، فبدأ الناس يخرجون مما يستطيعون، فهذا يعطي عشرة ريال وهذا مائة ريال وهذا خمسين ريال، وهذا الرجل التاجر تحمس وكتب شيكًا لهذا الإمام بعد أن عرف اسمه بخمسة آلاف ريال، ثم أعطاه إياه، ففرح الإمام فرحًا شديدًا بهذا المبلغ الذي جاء، ولم يكن يتصور أن يأتيه مبلغ بهذه الصورة وبهذه السرعة خمسة آلاف ريال.
يقول: فركبنا السيارة ومشينا، وعندما اقتربنا من الرياض ولم يبق على المسافة إلا حوالي (90) أو (100) كيلو، توقفنا في أحد المحطات لمد السيارة بالوقود، وإذا بصاحبي التاجر ينزل من السيارة بسرعة، ويتجه إلى مكان آخر من المحطة، فيقابل ثلاثة أشخاص ويسلم عليهم ويسلمون عليه ويقبلون رأسه، فقلت: لعله التقى ببعض أقاربه، وبدأت أرقبه وأنظر إليه، وأنظر إلى هؤلاء الثلاثة الشبان، وكل واحد منهم يملك سيارة من السيارات الفخمة جدًا يتجاوز سعرها النصف مليون، وبعد ربع ساعة تقريبًا من محادثة هذا الرجل التاجر لهؤلاء الشباب إذا به يأتي إلي مطرق الرأس حزينًا متأثرًا، فركب السيارة وهو ساكت لم يتكلم ثم انطلقنا، وقبيل خروجنا من المحطة قال: قف، فتوقفت وقال لي: أتعرف هؤلاء؟ قلت: أتوقع أنهم بعض أقاربك، فقال لي: هؤلاء أبناء فلان بن فلان، وكان أبوهم صاحبًا لي وصديقًا لي، وقد انطلقنا في التجارة سويًا، وكل منا تملك الملايين، ولكنه كان قد أغلق على أمواله الأبواب فلم ينفقها، وقد توفي قريبًا فأخذ الورثة وهم هؤلاء الأبناء الأموال، أخذ كل واحد منهم نصيبه، فكل واحد معه سيارة بهذه القيمة، وكل منهم قد اشترى استراحة ضخمة في هذه المنطقة، وبنى فيها قصرًا ضخمًا، فهم يأتون إليها بين الفينة والأخرى، وكان صاحبي قد قصر في حق نفسه، لا في السكن ولا في المأكل ولا في غير ذلك، فيقول: تذكرت هذا الحديث، ولكني لم أقل له شيئًا وبعد أن انطلقنا قليلًا، قال: هل بالإمكان أن نرجع إلى الشيخ؟ فكانت صدمة، كيف نرجع مسافة ستمائة كيلو تقريبًا، فقال: أرجوك أتمنى أن ترجع، فقلت: لا مانع.
أنا عندي إجازة ولا يمنع أن نرجع، فقال لي: احتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى، يقول: فرجعنا إلى الشيخ ووصلنا آخر الليل، واستأجرنا غرفة ونمنا فيها، ثم ذهبنا وصلينا الفجر في ذاك المسجد، فقابل صاحبي إمام المسجد وواجهه مواجهة كانت كالصاعقة عليه، ولكنها صارت بعد ذلك بردًا وسلامًا، قال له: أنا الذي أعطيتك الشيك بخمسة آلاف، هل بالإمكان أن تعيده إلي؟! فقال له: لماذا؟ فقال له: لا تخف، إنما أريد أن آخذه منك وسأتكفل بترميم المسجد كاملًا من أوله إلى آخره، ففرح هذا الإمام فرحًا شديدًا، ثم أوكل هذا التاجر ترميم المسجد لمن يعرف، ورمم ترميمًا رائعًا حسب ما يذكر راوي القصة.
يقول: فرجعنا إلى الرياض، ثم بدأ هذا الرجل ينفق يمينًا ويسارًا في بناء المساجد، وكان يساهم ويساعد في مشاريع الخير وسنابل العطاء بشكل متميز، ثم بعد ذلك قابلته في أحد الأيام بعد فترة من الزمن، فقال لي: أتعلم ماذا حصل، إنك لتستغرب؟ يقول: أول ما نزلت الرياض وبدأت مشاريع النفقة، كنت أتخيل أن مالي سينتهي بعد فترة وجيزة، ولكن والله! والذي لا إله إلا هو أن مالي بعد الإنفاق تضاعف، فبدل أن يكون خمسة ملايين مثلًا صار عشرة، ويقول: كنت إذا دخلت في مشروع تجاري أو عقاري إذا بي أضرب ضربات تجعل المال يتضاعف، وكنت في السابق أبذل وأبذل ولا ينمو المال إلا بشكل يسير، أو بطيء.
وهذا مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: (اللهم أعط منفقًا خلفًا) .
فالذي ينفق يعطى ويزداد مالًا، ولذلك ورد في قول الله سبحانه وتعالى في عدة روايات: (أَنفق أُنفق عليك) فإذا أنفق الإنسان جاءته النفقة من حيث لا يحتسب ومن حيث لا يتخيل.
والنفقة إذا قام بها الإنسان فإن الله سبحانه وتعالى يضاعفها يوم القيامة أضعافًا لا تتصورها، ومصداق ذلك قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله ليتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) .
انظر! تكون مثل الجبل يوم القيامة، فأنت عندما تقف بين يدي الله إذا بالموازين تنصب، وإذا بالأعمال توزن، وإذا بك ترى أعمالًا كالجبال، ما هذه الأعمال؟ أنا لم أعمل شيئًا يستحق، إنما هي صدقة بريال، أو صدقة بمائة ريال، أو صدقة بكذا، أو صدقة بكذا ومع ذلك ترى شيئًا عظيمًا جدًا، نعم؛ لأن الله سبحانه وتعالى نمى لك هذا الخير، حتى صار كالجبال العظيمة، وصارت هذه الأعمال ثقيلة في الميزان، وفي النهاية أنت الرابح في ذاك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.