وفي نفس اللحظة عاش الصديق موقفًا عصيبًا رهيبًا إذ قالوا له: يا خليفة رسول الله! إنا سنقاتل هؤلاء المرتدين، فاترك جيش أسامة في المدينة يساهم معنا في القتال، لماذا تسيره إلى الشام لقتال الرومان؟ دعه في المدينة حتى يكون ردءًا ويكون معينًا ومساعدًا لقتال هؤلاء المرتدين، فقال أبو بكر الصديق: أمرني الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بأن أسير جيش أسامة، ولا أسيره؟ والله لو قامت الكلاب بالهجوم على المدينة، وأخذت بأرجل أمهات المؤمنين إلى خارج المدينة لأسيرن جيش أسامة، فسار جيش أسامة.
فقالت العرب: هؤلاء المسلمون في المدينة لم يلقوا لنا بالًا ولم يهتموا بنا، وإلا لما سيروا جيشًا إلى الروم، وبالتالي تراجعوا وخافوا فكانت خطةً عظيمة من هذا الرجل العظيم الذي لم نعرف له حقه.
وقد كان الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه حريصًا على ألا يأكل إلا حلالًا، كيف لا؟ وهو يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما جسد نما من سحت فالنار أولى به) .
فقد جاءه غلام له بلحم فأكل منه، وكان رضي الله تعالى عنه لا يشرب شيئًا ولا يأكل شيئًا إلا بعد أن يسأل ممن هذا؟ ومن أين مصدره، فقال لغلامه بعد أن أكل بعضًا من قطيعات اللحم: من أين جئت بهذا اللحم؟ قال: لقد تكهنت لأناس في الجاهلية فأسلموا، وعندما رأوني أعطوني قطعة من اللحم فطبختها لك وأكلتها، فأدخل الصديق يده في فمه وقاء اللحم، وكاد يموت من شدة القي، فقالوا: يرحمك الله يا خليفة رسول الله! لقد كدت تهلك نفسك، قال: والله لو لم تخرج هذه القطعة من اللحم إلا ومعها روحي لأخرجتها.
نعم يقول ذلك؛ لأنه يريد أن يرافق الرسول صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.
فإنه لو لم يهتم بهذه المسائل لكان بينه وبين المصطفى عليه السلام بعد المشرقين.