فهرس الكتاب
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وينبغي أن يكون مكروها عند غيره أيضا، لما ورد من النهي عن التلثم، والترغيب في الغبار وفضله وقد كره جماعة من العلماء السواك للصائم بعد الزوال، لا لنهي ورد فيه ولكن لإزالله الخلوف الذي هو أحب إلى اللّه من ريح المسك، فكراهة التلثم للاحتراز من الغبار أولى، لأن السواك من أفضل السنن وآكدها وقد صار مكروها (1) لإزالله ذلك الأثر المرغب فيه، فلم لا يكره التلثم الذي ليس بمسنون ولا مستحب لكونه يمنع الغبار الذي هو سبب التحريم على النار وقد نهى عنه، هذا مما لا ينبغي أن يكون في كراهته خلاف، واللّه أعلم .
286 -وخرج ابن عساكر بإسناده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (:"الغبار في سبيل اللّه إسفار الوجوه يوم القيامة".
قال المؤلف لما كانت الوجوه يوم القيامة منها وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة (2) ،
(1) مسألة كراهة السواك بعد الزوال، اختلف فيها أهل العلم، وذهبوا فيها مذاهب كثيرة، وليس هذا محل بسطها، والذي ترجح عندي: أن حديث:"لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك". البخاري، الفتح: 4/103 . نص بأن رائحة تغير الفم محبوبة عند اللّه، سواء كان التغير من جراء خلو المعدة من الطعام، وهذا لا يزيله السواك، أم من بقايا الطعام بين الأسنان، وهذا يزيله السواك عند جميع العقلاء، أم من كليهما، كل ذلك محتمل، ومن خصه بواحد منها فليس عنده دليل . ومن هنا أقول: يستحب للصائم أن لا يستعمل السواك ما دام صائما سواء قبل الزوال أم بعده، إلا عند الصلاة، فيتأكد السواك لحديث:"لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، مسلم: 1 / 220، لأن في ذلك امتثالا لأمر رسول اللّه (، وشتان ما بين امتثال الأمر وبين طلب الفضل، والعلم عند اللّه تعالى."
(2) اقتباس من سورة عبس: الآية 38 .
ومعنى ترهقها قترة: تغشاها كسوة وسواد، أو ذلة وشدة، والقتر: الغبار، جمع القترة . انظر: الجامع لأحكام القرآن: 19 / 226 .