قال: وإذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري، فإن كانت هذه السباع هائجة سفدتها، وإن لم يكن السبع هائجا فالكلبة مأكولة. وقال أبو عدنان [1] : [من الطويل] أيا باكي الأطلال في رسم دمنة ... ترود بها عين المها والجآذر
وعانات جوّال وهيق سفنّج ... وسنداوة فضفاضة وحضاجر [2]
وسمع خفيّ الرّزّ ثلب ودوبل ... وثرملة تعتادها وعسابر [3]
وقد سمعنا ما قال صاحب المنطق من قبل، وما نظنّ بمثله أن يخلّد على نفسه في الكتب شهادات لا يحقّقها الامتحان، ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء، وما عندنا في معرفة ما ادّعى إلّا هذا القول.
وأمّا الذين ذكروا في أشعارهم السّمع والعسبار، فليس في ظاهر كلامهم دليل على ما ادّعى عليهم النّاس من هذا التركيب المختلف، فأدّينا الذي قالوا وأمسكنا عن الشهادة، إذ لم نجد عليها برهانا.
وللنّاس في هذا الضّرب ضروب من الدعوى، وعلماء السوء يظهرون تجويزها وتحقيقها، كالذي يدّعون من أولاد السّعالي من الناس، كما ذكروا عن عمرو بن يربوع [4] ، وكما يروي أبو زيد النحويّ عن السّعلاة التي أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم، فلمّا رأت برقا يلمع من شقّ بلاد السّعالي، حنّت وطارت إليهم، فقال شاعرهم: [من الوافر] رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما [5]
(1) في البيان 1/ 252 «وما كان بالبصرة رجلان أدرى بصنوف العلم، ولا أحسن بيانا من أبي الوزير، وأبي عدنان المعلمين» . وله خبر في الأغاني 14/ 227.
(2) الهيق: الظليم لطوله، وذكر النعام. السفنج: الظليم الذكر السريع الخفيف. السنداوة: الذئبة.
الفضفاضة: المكتنزة لحما. حضاجر: اسم للضبع أو ولدها.
(3) الرز: الصوت الخفي الذي تسمعه ولا تراه، يكون شديدا أو ضعيفا. ثلب: معيب. دوبل: ذكر الخنازير، أو الذئب العرم. الثرملة: من أسماء الثعالب.
(4) حياة الحيوان 1/ 556555.
(5) البيت لعمرو بن يربوع في جمهرة اللغة 963، ونوادر أبي زيد 146، وبلا نسبة في الخزانة 2/ 18 (هارون) ، وسر صناعة الإعراب 1/ 104، 144، وشرح المفصل 8/ 34، 9/ 101.