وكذلك إذا استحلفوا على شيء أوقدوها، وطرحوا فيها الملح والكبريت، فإذا تغيضت واستشاطت، قالوا: هذه النار قد تهددتك، فإن كان مبطلا نكل [1] ، وأن كان بريئا حلف. وتسمى الهولة [2] ، وموقدها المهول. قال أوس [3] :
إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهول حالف
وكانوا يوقدون نارا خلف مسافر لا يحبون رجوعه. وكانوا يقولون:
أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارا إثره، ومنه قول بشار [4] :
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... ورد عليك الصبا ما استعارا
أي طردت الجهل ورفضته، وعبر عن ذلك بإيقاد النار خلفه.
وكانوا إذا توقعوا جيشا أوقدوا نارا ليلا على جبلهم، ليبلغ الخبر أصحابهم وربما أوقدوا نارين. قال الفرزدق:
ضربوا المصانع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
48 -نار الحرتين [5] ببلاد عبس، تسطع من الحرة بالليل، وربما بدرت منها العنق [6] فتأتي على كل شيء. وهي بالنهار دخان ينور، فبعث
(1) نكل عن كذا أو من كذا: نكص وجبن.
(2) الهولة: نار التهويل، ما يفزّع به الصبيّ.
(3) أوس: هو أوس بن حجر بن مالك التميمي، شاعر تميم في الجاهلية، وهو زوج أم زهير بن أبي سلمى. عمّر طويلا وتوفي قبيل الإسلام. راجع ترجمته في خزانة البغدادي 1: 235وشعراء النصرانية 2: 49.
(4) بشار: هو بشار بن برد العقيلي. ولد بالبصرة سنة 95هـ وكان ضريرا. شاعر مولّد أدرك الدولتين الأموية والعباسية. كان هجاء متهتّكا. مات ضربا بالسياط ودفن بالبصرة. راجع ترجمته في معاهد التنصيص 1: 289والشعر والشعراء 291.
(5) الحرّة: الأرض ذات حجارة نخرة سود كأنها أحرقت بالنار. والحرار في بلاد العرب كثيرة أكثرها حوالي المدينة إلى الشام. راجع معجم البلدان 2: 250245.
(6) العنق: قطعة من النار تخرج منها.