48 -خرج كثير إلى مصر يريد عزة [1] ، فلقيه أعرابي من بني نهد [2]
فقال له: رأيت في وجهك شيئا؟ قال: غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه، قال: إنك توافي مصر وقد ماتت عزة. فانتهره ثم مضى، فوافى مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
وما أعيف النهدي لا درّ درّه ... وأزجره للطير لا عز ناصره [3]
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره [4]
فأما غراب فاغتراب ووحشة ... وبانة بين من حبيب تعاشره
49 -قال: وهرز [5] لغلامه حين جاء لقتال الحبشة: هات نشابة،
(1) عزة: هي بنت حميل (بالحاء مصغرا) بن حفص بن إياس الحاجبيّة الغفاريّة الضمرية صاحبة الأخبار مع «كثير» الشاعر. كانت غزيرة الأدب رقيقة الحديث من أهل المدينة. انتقلت إلى مصر في أيام عبد الملك بن مروان فأمر بإدخالها على حرمه ليتعلمن من أدبها. يقال إنها دخلت على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك. فقالت لها أم البنين أرأيت قول كثير:
قضى كل ذي دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنى غريمها
ما كان ذلك الدين؟ فقالت وعدته قبلة وخرجت منها فقالت أم البنين انجزيها وعليّ إثمها وماتت في مصر في أيام عبد العزيز بن عبد الملك.
راجع ترجمتها في سمط اللآلي ص 698ووفيات الأعيان والتاج 7: 290.
(2) بنو نهد: هم قبيلة من قبائل اليمن وهم بنو نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة وفي همدان نهد بن مرهية بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب.
(3) لا درّ درّه: أي لا كثر خيره.
(4) بانة: البان شجر يسمو ويطول في استواء مثل نبات الأثل وورقه أيضا هدب كهدب الأثل وليس لخشبه صلابة، واحدته بانة وينبت في الهضب. وثمرته تشبه قرون اللوبياء إلا أن خضرتها شديدة ولها حب ومن ذلك الحب يستخرج دهن ألبان. وجاء في التهذيب أن البانة شجرة لها ثمرة تربّب بأفاويه الطيب ثم يعتصر دهنها طيبا.
وجمعها ألبان ولاستواء نباتها ونبات أفنانها وطولها ونعمتها شبه الشعراء الجارية الناعمة ذات الشطاط بها. فقيل كأنها بانة وكأنها غصن بان لسان العرب مادة بين.
(5) وهرز هو قائد من أساورة كسرى أنوشروان بن قباذ كان كسرى يعد له بألف أسوار وهو الذي أرسله كسرى إلى اليمن ليجلو عنها الأحباش ويثبت حكم سيف بن ذي ين عليها ففعل وثبت على اليمن ابن ذي يزن وبقي فيها حتى مات وكان ذلك في آواخر عهد كسرى انوشروان راجع المزيد عنه في تاريه الطبري والكامل لابن الأثير.