خمس عشرة ذراعا. ولما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه، ويبني بنقضه فاستشار خالد بن برمك [1] فنهاه، وقال: هو آية الإسلام، من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي، وهو مصلى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الإرتفاق به. فقال: أبيت إلا ميلا إلى العجم فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كبيرا، فأمسك فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه، فلم يفعل.
87 -وتذاكر حذيفة [2] وسلمان [3] رضي الله عنهما أمر الدنيا، فكان من أعجب ما ذكرا أن أعرابيا من غامد كان يرعى حوله شويهات له، فإذا كان الليل آواها إلى سرير رخام في الإيوان كان يجلس عليه أبرويز.
قال البختري:
حضرت رحلي الهموم فوجّه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي [4]
وكأن الإيوان من عجب الصّن ... عة جون في جنب أرعن مرسي [5]
(1) خالد بن برمك: أبو البرامكة وأول من تمكن منهم في دولة بني العباس. كان أبوه برمك من مجوس بلخ. كان قحطبة بن شبيب يستشيره فحل منه محل الوزير. وبعد وفاة السفّاح قلّده المنصور بلاد فارس وأمّره على الموصل. وجّهه المهدي مع ابنه هارون الرشيد في صائفة سنة 163هـ ومات بعدها سنة 163هـ. راجع ترجمته في خزانة البغدادي 1: 542.
(2) حذيفة: هو حذيفة بن اليمان المتوفى سنة 36هـ. تقدمت ترجمته.
(3) سلمان: هو سلمان الفارسي المتوفى سنة 36هـ. تقدمت ترجمته.
(4) العنس: البازل الصلبة من النوق لا يقال لغيرها وجمعها عناس وعنس. وقيل:
العنس: الناقة القوية. وأبيض المدائن: كناية عن القصر الأبيض لكسرى. والأبيات من قصيدة للبحتري يصف فيها إيوان كسرى.
(5) الجون: اسم يطلق على الأبيض والأسود. ورواية الديوان: 1: 193 «جوب» والجوب: الترس والأرعن: الأحمق. ورواية الديوان: جلس بدل مرسي.
والجلس: الغليظ. والأرعن هنا كناية إما عن البناء العظيم أو عن جبل ضخم في جنب الإيوان كأنه ترس في استدارته.
لم يعبه أن بزّ من بسط الدي ... باج واستلّ من ستور الدّمقس (1)
مشمخرا تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس (2)
ليس يدري أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس (3)
88 -الأوائل من الأمم لما علموا من جهة النجوم أن آفة سماوية تصيبهم وهي الطوفان بنوا في صعيد مصر أهراما بالحجارة، على رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة، ليحترزوا بها، وجعلوا الهرمين أرفع منها كلها وهما على فرسخين من الفسطاط، كل واحد أربعمائة ذراع طولا، في أربعمائة ذراع عرضا، والأساس زائد على جريب (4) ، مبني بحجارة المرمر والرخام، غلظ كل حجر عشرة أذرع إلى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر، وحجارتها منقولة من مسافة أربعين فرسخا، من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندرية، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع ذروتهما إلى مقدار خمسة أشبار في خمسة، وشكلهما التربيع، وليس على وجه الأرض بناء أرفع منهما، منقور فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه إني بنيتهما، فمن ادعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما، وكان يجمع يوسف عليه السّلام فيهما الطعام. وقالوا: لا يعرف من بناهما. قال المتنبي (5) :