وهو يطفح بالماء، والنخل يظلله، فقلت: ألا تطوفين معنا على النخل نجني ما طاب؟ قالت: هذا أعجب إلي فدرنا ساعة، ثم انصرفنا، وهي تخضخض [1] رجليها في الماء، وتحرك شفيتها، ودمعها يجري، وتقول:
أقول لأدنى صاحبيّ أسرّه ... وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه [2]
لعمري لنهي باللوى نازح العذى ... نقي النواحي غير طرق مشاربه [3]
أحبّ إليّ من صهاريج ملئت ... للعب فلم تملح إليّ ملاعبه
فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه [4]
وريح صبا نجد إذا ما تنسّمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام جوانبه
بأجرع ممراح كأن رياحه ... سحاب من الكافور والمسك شائبه [5]
221 -لما غزا اسفنديار [6] بلاد الخزر [7] اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ [8] ، وشربة من ماء واديها.
222 -واعتل سابور ذو الأكتاف [9] بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك، وقد عشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشميما
(1) تخضخض رجليها: تحركهما.
(2) حدر الدمع: نزل. والكحل: ما تكتحل به العينان وهو حجر معروف.
(3) النهي: غدير الماء. والعذى: هو الزرع والكلأ الذي يسقى من المطر خاصة.
والطرق: الماء العكر الذي بالت فيه الإبل.
(4) الهواضب: المطر الغزير الذي يستمر. وهضبته: مطرته.
(5) الكافور: نبت طيّب الرائحة.
(6) اسفنديار: هو كما ذكره المسعودي اسفنديار بن كشتاسب بن بهراسب من ملوك الفرس الأوائل الذين كانوا يسكنون بلخ.
(7) الخزر: هي بلاد الترك خلف باب الأبواب المعروف بالدّربند قريب من سدّ ذي القرنين. وقيل: الخزر اسم إقليم من قصبة تسمّى إتل، وإتل اسم لنهر يجري إلى الخزر من الروس وبلغار راجع معجم البلدان 2: 367.
(8) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان. تقدم تحديدها وتعريفها.
(9) سابور ذو الأكتاف: هو سابور الثاني بن هرمز، الملك التاسع من ملوك الدولة الساسانية سمي ذا الأكتاف لأنه كان يخلع أكتاف الأسرى.