الأزارقة بتوّج [1] فأكرمه وأنزله على ابنه حبيب [2] ، وقال له أحسن قراه [3] ، فبينا هما في بستان إذ غنّت حمامة على فنن، فطرب لها زياد، فقال له حبيب: إنها فاقدة إلف كنت أراه معها، فقال زياد: هو أشد لشوقها، وأنشأ يقول:
تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي أن لا تضاري [4]
فإنك كلما غرّدت صوتا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فأما يقتلوك طلبت ثأرا ... لأنك يا حمامة في جواري
فضحك حبيب ودعا بجلاهق [5] فرماها، فسقطت ميتة [6] ، فنهض زياد مغضبا وقال: أخفرت أبا بسطام ذمتي وقتلت جاري، فشكا إلى
(1) توّج: مدينة بفارس قريبة من كازرون شديدة الحرّ لأنها في غور من الأرض ذات نخل وبناؤها باللّبن بينها وبين شيراز إثنان وثلاثون فرسخا يعمل فيها ثياب كتّاب تنسب إليها. فتحت في أيام عمر بن الخطاب في سنة 18أو 19هـ وأمير المسلمين مجاشع ابن مسعود. راجع التفاصيل في معجم البلدان 2: 56.
(2) حبيب: هو حبيب بن المهلب بن أبي صفرة. كانت له ولاية كرمان. قتل في موقعة العقر سنة 102هـ. راجع ترجمته في جمهرة الأنساب 348ومروج الذهب 5: 350.
(3) أحسن قراه: أهتم بن وأطعمه. والقرى: طعام الضيف. وقراه: أطعمه.
(4) تضاري: تضرّ. وضاره الأمر: ضرّه. ورواية الأغاني لهذه الأبيات فيها اختلاف ببعض الألفاظ.
(5) الجلاهق: البندق، ومنه قوس الجلاهق وأصله بالفارسية جله وهي كبّة غزل والكثير جلها، وبها سمّي الحائك.
(6) رواية الأغاني:
فلله عينا من رأى كقضيّة ... قضى لي بها قرم العراق المهلّب
رماها حبيب بن المهلّب رمية ... فأثبتها بالسّهم والسّهم يقرب
إلى آخر الأبيات. وهذا يدل على أن حبيبا قتلها بالسهم وليس بالجلاهق.