وقال أبو طاهر بن أبي هاشم في كتاب البيان: وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقوله هذا بدعة ضل بها عن قصد السبيل وورّط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسبب رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر. وكان شيخنا أبو بكر نضر الله وجهه سئل [1] عن بدعته المضلة فاستتابه منها بعد أن سئل البرهان على ما ذهب إليه فلم يأت بطائل ولم يكن له حجة، فاستوجب أبو بكر تأديبه من السلطان عند توبته ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر الناس من هو في الغفلة والغباوة دونه.
إلى أن قال ابن أبي هاشم: وذلك أنه قال: لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان أن يختاروا وكان ذلك لهم مباحا غير منكر. كان لمن بعدهم مباحا. فلو كان حذا حذوهم فيما اختاروه وسلك طريقهم لكان ذلك سائغا له ولغيره. وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة اختار أن يقرأها على مذهب نافع. وأما أبو عبيد وابن سعدان فلم يتجاوز أحد منهما قراءة أئمة الأمصار وإنما كان النكير على هذا شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما حكوا [2] مجتمعين ومختلفين.
قال أبو أحمد الفرضي: رأيت في المنام كأني في الجامع أصلي مع الناس وكان ابن مقسم قد ولى ظهره القبلة وهو يصلي مستدبرها فأولت ذلك بمخالفته الأئمة فيما اختاره لنفسه.
(1) في تاريخ بغداد (نشله عن بدعته المضلة) .
(2) في معرفة القراء 1/ 249 (فيما جاءوا به) .