فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 2605 من 72678

أنفسهم عن فضل التخصص في العلم، فما أجهلنا إن حسبنا أننا بغير التخصص سنفهم علمًا من العلوم!!!

ولقد سبرت بعض أحوال المتعلمين، فوجدت أكثرهم علمًا وإنصافًا وتواضعًا، وأدقهم نظرًا وفهمًا، وأحسنهم تأليفًا وإبداعًا: هم أصحاب التخصصات. في حين وجدت أقلهم علمًا وإنصافًا، وأكثرهم كبرًا وتعاليًا وتعالمًا، وأبعدهم عن الفهم والتدقيق وعن الإبداع والإحسان في التأليف: المتفننين أصحاب العلوم، أو سمهم بالمثقفين؛ إلا من رحم ربك.

ومن فضل صاحب التخصص الفضل الظاهر، الذي يقرني عليه المنصف، أن صاحب التخصص لا يثرب على المتفنن، بل يراه أكثر أهلية منه في أمور كإلقاء المحاضرات والدعوة ومواجهة العامة، ويعتبره بذلك على ثغرة من ثغرات الإسلام، ويرى أن الأمة في حاجة إلى أمثاله. وأما أصحاب الفنون، فعلى الضد من ذلك، فهم أكثر الناس تثريبًا وعيبًا على المتخصصين، ولا يرون لهم فضلًا عليهم ولا في العلم الذي تخصصوا فيه، وينازعونهم مسائلة (وهم بها جهلاء) ، ويشنعون عليهم لعدم معرفتهم ببعض ما لم يتخصصوا فيه.

ولك بعد هذا أن تحكم، أي الفريقين أدخل الله في قوله تعالى (إن الله يحب المقسطين) ( [3] ) .

ولله ما يلاقيه أصحاب التخصصات من إخوانهم المتفننين!! من عدم فهم الأخيرين لتخصصاتهم، مع كلامهم فيها ومنازعتهم أهلها، بل قد يصل الأمر إلى استغلال أصحاب الفنون علاقتهم بالعامة والغوغاء، وانبهار هؤلاء بهم، فيتطاولون على أصحاب التخصصات وعلى علومهم، بما لا يؤلم العالم شيء مثله، وهو الكلام بجهل، وتشويه العلوم.

ومن فضل صاحب التخصص إذا وفقه الله تعالى، أنه من أكثر الناس لقالة (لا أدري) ، إذا سئل عن غير تخصصه. ولهذه القالة بركة لا يعرفها إلا قليل، فهي باب التواضع الكبير، وباب للعلم أكبر. وأما صاحب الفنون، فهو عن (لا أدري) أبعد؛ لأنه يضرب في كل علم بسهم، وبكثير جوابه على أسئلة العامة وأنصاف المتعلمين، التي هي - في الغالب - سؤالات عن الواضحات وعن ظواهر العلوم؛ فينسى مع طول المدة (لا أدري) ، ولا يعتاد لسانه عليها، ولا تنقهر نفسه لها؛ لذلك فهو عن بركاتها ليس بقريب!!

ثم إن للعلم دقائق لا يعرف المتفننون عنها شيئًا، أما المتخصصون فقد خبروها، وقادتهم إلى دقائق الدقائق. فهم فقهاء العلوم حقًا، وأطباء الفنون صدقًا.

يقول الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني تلميذ الشافعي (ت 260هـ) : (سمعت الشافعي يقول: من تعلم علمًا فليدقق، لكيلا يضيع دقيق العلم) ( [4] ) .

كذا نصائح الأئمة، نور على نور!!

وأما الشافعي فقد كان آمنًا من ضياع جليل العلم وعظمه، خائفًا من ضياع دقيقة. أما نحن الآن فنقول: (من تعلم علمًا فليدقق، لكيلا يضيع جليل العلم) ؛ فدققوا يا بني إخوتي ما شئتم من التدقيق، فنحن مع تدقيقكم هذا لعلى جليل العلم وجلون!!!

وهنا أنبه على أن مطالبتنا بالتخصص لا يعني أن نطالب بذلك على حساب فروض الأعيان من العلوم، كتصحيح العقيدة وعلم التوحيد الجملي، وما يحتاج إليه من فقه العبادات، وما شابهها من الفروض العينية من العلوم؛ فهذا ما لا يجوز على مسلم جهله، فضلًا عن طالب العلم؛ بل نحن نطالب طالب العلم بما فوق ذلك، وهو أن لا يكون جاهلًا بنفع كل علم نافع (ولا أقول أن يكون عالمًا بكل علم نافع، فهذا ضد ما أحث عليه) ؛ لأن الجهل بنفع علم ذي علم فائدة دنيوية أو أخروية يدعو إلى معاداة ذلك العلم، على قاعدة: من جهل شيئًا عاداه؛ ويقبح بطالب العلم أن يعادي علمًا نافعًا، مهما قل نفعه في رأيه، فإنه لا ينقص على أن يكون فرضًا كفائيًا.

وما أجمل وصية خالد بن يحيى بن برمك (ت 165هـ) لابنه، عندما قال له: (يا بني، خذ من كل علم بحظ، فإنك إن لم تفعل جهلت، وإن جهلت شيئًا من العلم عاديته، وعزيز علي أن تعادي شيئًا من العلم) ( [5] ) .

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت