فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 2606 من 72678

وأخص من العلوم مما يقبح بطالب العلم جهله العلوم الإسلامية جميعًا، كعلم الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والعقيدة وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وأدب، مما ينبغي على طالب علم الحديث المتخصص أن يحصل شيئًا منها. وضابط تحصيله لهذه العلوم (حتى لا يناقض ذلك مطالبتي له بالتخصص) أن يجعل مقصوده من طلبه لهذه العلوم تكميل استفادته لتخصصه وعميق فهمه له؛ حيث إن العلوم الإسلامية بينها ترابط كبير، لا يمكن من أراد التخصص في علم منها أن يكون جاهلًا تمام الجهل بما سواه. بل ربما قادته مسألة دقيقة في علم الحديث (مثلًا) إلى التدقيق في مسألة من مسائل أصول الفقه أو غيره، حتى يخرج بنتيجة في مسألته الحديثية. وليس ذلك بغريب على من عرف العلوم الإسلامية، وقوة ما بينها من أواصر القربى العلمية.

ولأزيد الأمر إيضاحًا أقول: كيف يتسنى لطالب الحديث أن يعرف الصواب في إحدى مشاهير مسائله؟ وهي مسألة الرواية عن أهل البدع وحكمها، إذا لم يكن عارفًا بالسنة والبدعة، وبصنوف البدع وأقسام المبتدعة، وبالغالي منهم ومن بدعته غليظة ومن يكفر ببدعته ممن هو بخلاف ذلك؛ وهذا كله باب من أبواب العقيدة عظيم.

وكيف يمكن لطالب الحديث أن يميز بين الروايات المختلفة، مثل زيادات الثقات: مقبولها ومردودها، والشاذة منها والمنكرة، والناسخة والمنسوخة، والراجحة والمرجوحة، إذا لم يكن عنده أصول الفقه والقدرة على الاستنباط والفهم للنصوص ما يتيح له الحكم في ذلك كله؟!

المهم أن يأخذ من العلوم التي لم يتخصص فيها، بقدر ما يخدم العلم الذي تخصص فيه، ولا يزيد على ذلك، وإلا لم يصبح متخصصًا، وإنما يكون متفننًا.

وطريقة تحصيله لتلك العلوم التي لا ينوي التخصص في واحد منها، مما لا يخرجه عن حد التخصص إلى حد التفنن، هي أن يدرس مختصرًا من مختصرات تلك العلوم، تمكنه من مراجعة مطولات تلك الفنون، فيما إذ أحوجه علمه الذي تخصص فيه إلى ذلك، كما سبق التمثيل له. وعليه أيضًا أن لا يقطع صلته بعلماء تلك العلوم المتخصصين فيها، وأن يصوب فهمه من علومهم عليهم، وأن لا يستبد بشيء من علمهم دون الرجوع إليهم.

وأما التخصص في علم الحديث، فقد سبق أنه من أحوج العلوم إلى التخصص فيه، لشدة عمقه وسعة بحور وامتداد آفاقه. مع ذلك فعندي في مشروعية التخصص فيه (ولو على حساب الفقه!) سنة ثابتة وحديث صحيح مشهور! وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع منا مقالة فحفظها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ( [6] ) .

و (نضر) بتخفيف الضاد وتشديدها: من النضارة، وهي الحسن والرونق والبهاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو لراوي الحديث بالحسن والبهاء مطلقًا، في الدنيا والآخرة. وقيل إن المعنى: أبلغه الله تعالى نضارة الجنة.

وراوي الحديث الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالنضارة: هو رواية باللفظ، ولو كان لا يفهم كل معاني الحديث (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ولو كان لا فهم له في الحديث أبدًا (رب حامل فقه لا فقه له) !!

وهذا يدل على مشروعية رواية الحديث دون فقه، بل يدل على استحباب ذلك؛ ويدل على أن رواي الحديث دون علمه بفقهه محمود غير مذموم، وأنه مستحق بفعله هذا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له.

وقد تعقب الرامهرمزي (ت 360هـ) هذا الحديث في كتابه (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) بقوله: (ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله:(فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقه) . وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر ( [7] ) ؛ ومثال ذلك أن تمثل بين مالك بن أنس وعبيد الله العمري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة ( [8] ) ، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل.

وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه، وعلم الحق لمن أمه ولم يتعده) ( [9] ) .

ورحم الله السلف! فقد كانوا أسبق إلى كل خير وعلم وإنصاف؛ ولهذا لما روى مطر بن طهمان الوراق (ت 125هـ فيما يقال) حديثًا، وسئل عن معناه، قال: (لا أدري، إنما أنا زاملة) ، فقال له السائل - وكان عاقلًا منصفًا - (جزاك الله خيرًا، فإن عليك من كل: حلو وحامض) ( [10] ) .

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت