3 قال ابن رجب:"وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدِّين عليها، فروي عن الشافعي أنَّه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من الفقه، وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر:"الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"، وحديث النعمان بن بشير:"الحلال بيِّن والحرام بيِّن"."
وقال أيضًا (1/ 71) في توجيه كلام الإمام أحمد:"فإنَّ الدِّين كلَّه يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات، وهذا كلُّه تضمَّنه حديث النعمان بن بشير، وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين:"
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنَّة، وهذا هو الذي تضمَّنه حديث عائشة:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
والثاني: أن يكون العمل في باطنه يُقصد به وجه الله عزَّ وجلَّ، كما تضمَّنه حديث عمر:"الأعمال بالنيات".
وأورد بن رجب نقولًا (1/ 61 63) عن بعض العلماء في الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، وأنَّ منهم من قال: إنَّها اثنان، ومنهم مَن قال: أربعة، ومنهم من قال: خمسة، والأحاديث التي ذكرها عنهم بالإضافة إلى الثلاثة الأولى حديث:"إنَّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمِّه"، وحديث:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وحديث:"إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيِّبًا"، وحديث:"لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه"، وحديث:"لا ضرر ولا ضرار"، وحديث:"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"، وحديث:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"، وحديث:"الدِّين النصيحة".
4 قوله:"إنَّما الأعمال بالنيَّات"، (إنَّما) : أداة حصر، و (ال) في (الأعمال) قيل: إنَّها خاصة في القُرَب، وقيل: إنَّها للعموم في كلِّ عمل، فما كان منها قُربة أثيب عليه فاعله، وما كان منها من أمور العادات كالأكل والشرب والنوم فإنَّ صَاحبَه يُثاب عليه إذا نوى به التقوِّي على الطاعة، والألف واللاَّم ب (النيات) بدلًا من الضمير (ها) ، أي: الأعمال بنيَّاتها، ومتعلق الجار والمجرور محذوف تقديره معتبرة، أي: أنَّ الأعمال معتبرة بنيَّاتها، والنيَّة في اللغة: القصد، وتأتي للتمييز بين العبادات، كتمييز فرض عن فرض، أو فرض عن نفل، وتمييز العبادات عن العادات، كالغسل من الجنابة والغسل للتبرُّد والتنظُّف.
5 قوله:"وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى"، قال ابن رجب (1/ 65) :"إخبارٌ أنَّه لا يحصل له من عمله إلاَّ ما نواه، فإن نوى خيرًا حصل له خير ٌ، وإن نوى شرًّا حصل له شرٌّ، وليس هذا تكريرًا مَحضًا للجملة الأولى، فإنَّ الجملة الأولى دلَّت على أنَّ صلاحَ العمل وفسادَه بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلَّت على أنَّ ثوابَ العامل على عمله بحسب نيَّتِه الصالحة، وأنَّ عقابه عليه بحسب نيَّته الفاسدة، وقد تكون نيَّتُه مباحةً فيكون العملُ مباحًا، فلا يحصل له به ثوابٌ ولاعقاب، فالعملُ في نفسه: صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثوابُ العامل وعقابُه وسلامته بحسب نيته التي بها صار العملُ صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا".
6 قوله:"فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدُنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه".
الهجرة من الهَجر وهو الترك، وتكون بترك بلد الخوف إلى بلد الأمن، كالهجرة من مكة إلى الحبشة، وتكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كالهجرة من مكة إلى المدينة، وقد انتهت الهجرة إليها بفتح مكة، والهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام باقية إلى قيام الساعة.
وقوله:"فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"اتَّحد فيه الشرط والجزاء، والأصل اختلافهما، والمعنى: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّة وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا، فافترقا، قال ابن رجب (1/ 72) :"لَمَّا ذكر صلى الله عليه وسلم أنَّ الأعمالَ بحسب النيَّات، وأنَّ حظَّ العامل من عمله نيته من خير أو شرٍّ، وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليَّتان، لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالًا من أمثال الأعمال التي صورتُها واحدة، ويختلف صلاحُها وفسادُها باختلاف النيَّات، وكأنَّه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)