الملحدون السبيل إلى الإلحاد في صفاته والطعن على أخباره والتشبيه على خلقه من غير العرب الذين لم يعقلوا عنه ما أراد بخطابه حتى جعل فيها بيانا ظاهرًا وعلمًا واضحًا لا يخفى على من سمعه وتدبره وتفهمه من غير العرب، ممن لا يعرف الخاص، والعام، والمحكم، والمبهم، تفضلا منه وتكرما وإحسانا إلى خلقه وإثباتا منه للحجة على من ألحد في كتابه وصفاته وما هو من ذاته، فإذا أنزل الله تبارك وتعالى خبرًا مخرج لفظه خاص ومعناه عام، أو خبرًا مخرج لفظه عام ومعناه خاص لم يدعه إشكالا على خلقه حتى يجعل أحد بيانين، أما أن يستثني من الجملة شيئا يكون بيانا للناس جميعا، أو يقدم قبله خبرا خاصا، فإذا أنزل بعده خبرًا عامًا لم يتوهم أحد من العلماء إنه عنى ما خصه في الخبر الذي قدمه قبل نزول العام إذ كان قد خصه ونصه قبل ذلك.
قال عبد العزيز: فأما الخبر الذي ينزل على لفظ العموم ثم يستثني من الجملة ما لم يعنه في العموم فهو قوله عز وجل في قصة نوح عليه السلام: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} فعقل المؤمنون عن الله عز وجل حين استثنى الخمسين سنة من الألف أن الألف لم يستكملها نوح في قومه أيام الطوفان قال: فكان ابتداء اللفظ عامًا بالألف سنة، ومعناه خاصًا بالاستثناء للخمسين سنة، من الألف، ومثل هذا في القرآن كثير، ولكني أختصر من كل خبر مسألة واحدة ليقف من بحضرة أمير المؤمنين على ذلك كما أمر.
وأما الخبر الذي ينزله على مخرج العموم وقد قدم قبله خبرًا خاصًا، فهو قوله عز وجل: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فكان مخرج الخبر باللفظ عاما، وكان معناه خاصا لما قدم قبله من الخصوص في إبليس ومن تبعه بقوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فعقل المؤمنون عن الله تعالى أنه لم يعن هؤلاء الذين قدم فيهم الأخبار الخاصة لخروجهم عن الرحمة أنهم معمومون بالرحمة مع غيرهم بهذا الخبر العام، وكذلك قال عز وجل في قصة لوط عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} وقال في موضع آخر: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ} فخص عز وجل المرأة بالهلاك وقدم فيها أخبارا خاصة بذلك، ثم أنزل عز وجل خبرًا مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} فعقل المؤمنون عن الله عز وجل أنه لم يعن امرأة لوط بالنجاة، لما قدم فيها من الأخبار الخاصة بالهلاك، وكذلك حين قدم إلينا عز وجل في نفسه خبراُ خاصا إنه حي لا يموت بقوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} ثم أنزل خبرًا مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص فقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} عقل المؤمنون عن الله عز وجل أنه لم يعن نفسه مع هذه النفوس الميتة لما قدم إليهم من الخبر الخاص في نفسه أنه حي لا يموت وكذلك حين قدم إلينا في كتابه خبرًا خاصا فقال عز وجل: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فدل على قوله باسم معرفة، وعلى الشيء باسم نكره، فكانا شيئين مفترقين عند العرب وأهل اللغة، فقال: إذا أردناه، ولم يقل إذا أردناهما، (وقال: أن نقول له) ولم يقل أن نقول لهما، ففرق بين القول والشيء المخلوق والذي يقول له كن فيكون بالقول مخلوقا، ثم قال عز وجل: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فعقل المؤمنون عن الله عز وجل عند نزول هذا الخبر العام إنه لم يعن كلامه وقوله في الأشياء المخلوقة لما قدم في ذلك من الخبر الخاص أن الأشياء المخلوقة إنما تكون بقوله، وإنما غلط بشر ومن قال بقوله وهلكوا وتاهوا وضلوا لجهلهم بالخاص والعام في القرآن العظيم، وإنما شرف الله العرب وفضلها بمعرفتها بخاص القرآن وعامه ومجمله ومبهمه.
من كتاب"الحيدة و الاعتذار في الرد على من فال بخلق القرآن"لأبي الحسن عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني
ـ [أبو صهيب أشرف المصري] ــــــــ [22 - 05 - 08, 05:07 م] ـ
أَفْضَلُ الأَشْيَاءِ التَّزَيُّدُ مِنَ العِلْمِ فَإِنَّهُ مَنِ اقْتَصَر عَلَى مَا يَعْلَمُهُ فَظَنَّهُ كَافِيًا اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ وَصَارَ تَعْظِيمُهُ لِنَفْسِهِ مَانِعًا لَهُ مِنَ الاسْتِفَادَةِ. وَالمُذَاكَرَةُ تُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَهُ وَرُبَّمَا كَانَ مُعَظَّمًا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يُتَجَاسَرْ عَلَى الرَّدِ عَلَيْهِ
وَلَوْ أَنَّهُ أَظْهَرَ الاسْتِفَادَةَ لَأُهْدِيَتْ إِلَيْهِ مَسَاوِيهِ فَعَادَ عَنْهَا
صيد الخاطر
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)