وهو منذ أن درج بين أهله ووعى كان الصادق الأمين، لا يقول إلا
صدقا، ولا يعطى أو يأخذ، إلا أمينا حين يعطى، أمينا حين يأخذ.
أمينا حين يستشار ويشير، والنفس إن ملكت الصّدق والأمانة ملكت ما بعدهما من كل ما هو محمود من الصّفات، وهكذا كان محمد قبل أن يبعثه الله رسولا.
ولقد حبّب إلى محمد التّحنّث والتّحنّف، شأن الصادفين عن متاع الحياة، العازفين عن لينها المفضى إلى الاستنامة إليها، فكان يعتكف في حراء جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها شهرا من كل سنة، يجعله خالصا لعبادة ربه، على ما رسم إبراهيم، ومن بعده إسماعيل، عليهما السلام.
وبقى محمد على هذا الذى أخذ به نفسه، يختلف إلى غار حراء، شهرا من كل عام، إلى أن كانت السنة التى اختاره الله فيها رسولا لرسالته، وكان عندها في الأربعين من عمره.