يمسك كلّ بما يحلو له ويطيب، وإذا هم قد نبذوا الكثير ممّا توارثوه من شريعة إبراهيم وإسماعيل، لا يستمسكون منها إلا ببقيّة قليلة كانت تتمثل في تعظيم الكعبة والحج إلى مكة، وإذا هم بعد هذا أمة أضلّتها الضّلالات، واستهوتها الموبقات، واستحوذت على عقولها الخرافات. تذلّ للأصنام، وتستنيم للكهّان، وتستملى الأزلام، وإذا أخلاقها تراق، تهون على موائد الخمر والميسر، وإذا عدلها يفوّته عليها بغى الأقوياء، وإذا أمنها ليس لها منه إلا هباء.
وشخصت أبصار القلّة الواعية من رجالات الجزيرة الرّاشدين إلى السماء، تنشد العون وتستمطر الرّحمة، وجمعت البلبلة الفكرية بين أربعة من هذه القلّة الواعية هم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل ينظرون لأنفسهم ولأمتهم، فما انتهوا إلى رأى، ولا أجمعوا على ما يختارون، وإذا هم أشتات حين انفضّوا، كما كانوا أشتاتا حين اجتمعوا، لم يقرّوا على شىء، لأن الأمر كان أجلّ من أن يحمل عبأه غير رسول مؤيّد من السماء.
وكانت الإرهاصات تشير إلى ميلاد هذا الرسول، وإلى أن هذا الرّسول هو محمد.
فلقد سعدت مرضعته حليمة به، وانتقلت من شقاوة إلى نعيم، ومن شدّة إلى لين، ولقد شبّ لا يأخذ فيما يأخذ فيه لداته من لعب، وما عهدت عليه كذبة ولا زلة، وما عكف على صنم، ولا شرب خمرا، ولا وضع يده في ميسر، ولا استنام لترّهة، ولا شارك في قبيحة بل عاش عفّا صادقا أمينا حليما رحيما، تجر لخديجة قبل أن يصبح لها زوجا فبهرتها أمانته، ورأى للقرشيّين حين اختلفوا في وضع الحجر، وكادت تثور بينهم الحرب، فكان نعم الرّائى، ونفر ممّا كانت تفعله العرب من وأد لبناتهم، وكان حربا عليه، واشمأز ممّا كانت تستمتع به العرب من موبقات، وكان حربا على نفسه قبل أن يكون حربا عليهم، وحين برز بهذه الصفات في بيئته، وبين قومه، برز الناظرون في الكتب المقدّسة
يعرضون ما يجدونه مكتوبا على ما يجدونه مرئيا ومسموعا، فإذا هم يرون في محمد، هذا الرسول المرتقب.