تلك حياة الرسول أجملت لك مآثرها وما تمّ منها، وما تم هذا كلّه بعيدا عن تدبير السماء، وما تمّ هذا كله إلا عن وحى متصل يملى على الرسول بكرة وعشيّا، فيمليه هو على قومه بكرة وعشيّا.
وهذا الوحي الذي تلقّاه الرسول عن ربّه، وتلقّاه المسلمون عن رسولهم، إلى أن قبضه الله إليه، هو هذا الكتاب الكريم الذي جمع للمسلمين دينهم، وجمعهم على دينهم، وحفظ لهم حياتهم أمّة مسلمة، وحفظهم على حياتهم إخوة مسلمين.
وما من شك في أن هذا الكتاب الكريم يحمل معجزة ثانية خالدة بخلوده، فلقد كانت معجزته الأولى في بيانه الذي خرست معه الألسنة فما تنطق، وفي فصاحته التي شدهت معها الأفئدة فما تعي، وسوف يظل هذا البيان، وتلك الفصاحة، حجة على العالمين.
تلك كانت معجزة القرآن الأولى، يوم طالع الرسول العرب، وهم ما هم بيانا وفصاحة، فخرّوا لها ساجدين، وأذعنوا لها مسلمين.
أما عن معجزته الثانية فهي في حمايته أمة من أن تشيع في أمم، ولغة من أن تذوب في لغات.
فما نعرف شيئا حمى اللغة العربية من الضّياع مع تلك الأزمات العاصفة التي مرّت بها، والتي كم أودت مثيلات لها بلغات وبلبلت من ألسنة غير هذا الكتاب الكريم. أبعدت ما أبعدت الشعوب العربية عن الكلام بلغتها العربية، وكان هو مردّها إليها، كلما أوشكت أن تنفصم صلتها بها ربطها هو بها.
وهكذا عاشت الأمة العربية بعيدة بكل ما في يديها عن لغتها، قريبة بهذا الكتاب وحده إلى لغتها.