فما نعرف شيئا حمى اللغة العربية من الضّياع مع تلك الأزمات العاصفة التي مرّت بها، والتي كم أودت مثيلات لها بلغات وبلبلت من ألسنة غير هذا الكتاب الكريم. أبعدت ما أبعدت الشعوب العربية عن الكلام بلغتها العربية، وكان هو مردّها إليها، كلما أوشكت أن تنفصم صلتها بها ربطها هو بها.
وهكذا عاشت الأمة العربية بعيدة بكل ما في يديها عن لغتها، قريبة بهذا الكتاب وحده إلى لغتها.
وحين حمى هذا الكتاب اللغة لأهلها، حمى هؤلاء العرب من أن يتفرّقوا أبدى سبا، فلو أنّ الزمن بلبل ألسنتهم أمما مختلفة، ذات ألسنة مختلفة، ما وجدت بينهم هذه الصّلة الضامة من اجتماع على تراث خالد، كان هو بمثابة الأب الرّوحى، الذى يصل بين الأرواح والنفوس والقلوب.
ويكذبك من ينكر عليك أثر اللغة في التقريب بين شعوب مختلفة الجنس، فما بالك بشعوب يكاد يجمعها جنس واحد.
وكما حفظ هذا الكتاب الكريم هذا المقوّم للأمة العربية، حفظ مقوما آخر هو الدين، فلقد عاش هذا الكتاب على الألسنة وفى القلوب، فوق ما هو مكتوب يسمع ويتلى في أوقات متلاحقة متصلة، لا يكاد الناس ينسون حتى يتذكروا، ولا يكادون يبعدون حتى يقربوا، فإذا هم على دينهم كما هم على لغتهم، وإذا هذه اللغة وذاك الدين يمسكان الأمة العربية فلا تضل عنها لغتها، ولا تضل هى عن دينها.
ولا غرو أن كانت للمسلمين به عنايات متصلة طالت وتنوعت، وهذا أو ان ضم هذا كله في سرد مختصر جامع، يعرف به المسلم ما يتصل بقرآنه في يسر يسير، دون أن يفوته شىء، أو يبهم عليه أمر.