فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 185

وأخذ محمد يدعو إلى ربه، وإلى هذا الدين الجديد الذى اصطفاه ربّه له، في بيئة قد عرفت لها إيغالها في الباطل، واستكانتها إليه، وبين قوم أشربوا الضّلال فعاندوا عليه، فاقتضت الحكمة الحكيمة أن تأخذ الدعوة طريقها سرّا لا علانية، وخفية لا جهرا، تضمّ إليها الآنس بها، وتجمع عليها من تفتّح قلبه لها.

وكان أقرب الناس إلى الرّسول من الرّجال أبو بكر، وكان له صديقا وإلفا، ومن الصّبيان علىّ بن أبى طالب، في ظله نشأ، وبين يديه شبّ، ومن النّساء زوجته خديجة، وكانت كالئته في خلواته، وملاذه في فزعاته، ومن الموالى زيد بن حارثة، وكان حبّ رسول الله، وهبته خديجة له قبل النبوة، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين، فأعتقه الرسول وتبنّاه، ومن العبيد بلال بن رباح الحبشىّ، وكان قريبا من أبى بكر غير بعيد عما يرى.

فكان هؤلاء جميعا أول من آمنوا بمحمد، وأول من صدّقوه.

ثم أسلم بدعوة أبى بكر: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، جاء بهم أبو بكر إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، وكانت الصلاة قد فرضت ركعتين.

ثم أسلم بعد هؤلاء نفر غيرهم، ودخل الناس في الإسلام أرسالا، من الرجال والنساء.

وبقى الرسول بمن آمن معه يدعو الناس خفية، وما سلم الرسول، وما سلم من معه على الرّغم من عدم مجاهرتهم بالدّعوة من أذى كبير، حملوه راضين، حتى إذا ما أفصحت الدعوة عن نفسها شيئا، وغدت حديث البيئة، لم يكن بد من أن يقف محمد، ومن حوله القليلون المستضعفون، للناس جهرا، يدعون، بعد أن قضوا نحوا من أعوام ثلاثة يسرّون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت