غار حراء، هيأت الأولى نفسه لتلقّى الوحى، وهيأت الثانية نفسه للأنس بالوحى.
وحرّكت فترة الوحى ألسنة أهل مكة بالقول، فاسترسلوا يقولون:
ودّعه ربّه وقلاه، يردّدها لسان الضّلال شماتة بلسان الحق، ويحاول العقل الغافل أن يخدع بها العقل الواعى، ليصرفه عن الدّعوة الجديدة.
وانضمت هذه التى خلا بها الخصوم من شماتة، إلى تلك التى خلا بها الرسول من لهفة، فإذا هو بعد هذه وتلك أحزن ما يكون على انقطاع الوحى، أشوق ما يكون إلى اتّصاله.
ومع هذا التهيّؤ الكامل لهذه النّفس البشرية المختارة، اتّصل الوحى، ونزل على محمد قوله تعالى: {وَالضُّحى ََ. وَاللَّيْلِ إِذََا سَجى ََ. مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمََا قَلى ََ. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ََ. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ََ. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ََ. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ََ. وَوَجَدَكَ عََائِلًا فَأَغْنى ََ. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلََا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السََّائِلَ فَلََا تَنْهَرْ. وَأَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [1] ، يرد على المتقوّلين.
ويقال إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين سمع صوت الملك بعد تلك الفترة التى استطالها حشى رعبا، فرجع إلى أهله، فقال: زمّلونى.
فألقوا عليه قطيفة، فنزل عليه قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ} [2]
يأمره أن يكون رسول ربه إلى الناس، يدعوهم إليه وإلى الحق، ويصرفهم عن الأوثان وعن الباطل.
(1) سورة الضحى: 111.
(2) المدثر: 21.