وهكذا كان محمد، حين دبّت قدماه على أرض مكة من الجزيرة العربية، محطّ الأبصار، وشغل الأفكار، حاطه ربّه باليمن وليدا، إيذانا منه لعباده بما سيؤهّله له، وصانه عن اللهو العابث صبيّا ليرتفع به عما يتدنّى فيه غيره، كى يمهّد لإجلاله، وأجرى الصّدق على لسانه، وبسط بالأمانة يديه، وملأ بالرحمة قلبه، وبالحكمة رأسه، ليرى الناس فيه ما يفقدون من صفات، فيلتفّوا حوله اليوم تمهيدا لالتفافهم حوله في غد.
وحين استوى محمد شابّا، واستوت باستوائه صفات الكمال كلها فيه، رأى الناس أنهم بين يدى عجب استعصى على عامتهم تأويله، ولم يستعص على خاصتهم من أولى الكتاب، فعرفوا أنه النبىّ المرتقب.
ومضى محمد في طريقه المرسوم، يهيئه الله لتلقّى ما سوف يوحى به إليه.
فغدا لا يرى في منامه رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح، وغدت الخلوة محبّبة إلى نفسه، يقضى في غار حراء الليالى ذوات العدد خاليا لعبادته، ولا يعود إلى أهله إلا لكى يتزوّد لمثلها.
وفيما كان محمد في غار حراء، خاليا يتحنّث، تمثّل له جبريل يحمل إليه الوحى من ربه ويؤذنه بدعوة قومه إلى الله الواحد الأحد، وترك عبادة الأوثان.
وكان ابتداء الوحى في شهر رمضان وفى السابع عشر منه (1) . يشير إلى الأولى قوله تعالى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضََانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (2) ، ويشير إلى الثانية قوله تعالى في سورة الأنفال: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَمََا أَنْزَلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا يَوْمَ الْفُرْقََانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعََانِ} (3) .