وفيما كان محمد في غار حراء، خاليا يتحنّث، تمثّل له جبريل يحمل إليه الوحى من ربه ويؤذنه بدعوة قومه إلى الله الواحد الأحد، وترك عبادة الأوثان.
وكان ابتداء الوحى في شهر رمضان وفى السابع عشر منه [1] . يشير إلى الأولى قوله تعالى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضََانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [2] ، ويشير إلى الثانية قوله تعالى في سورة الأنفال: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَمََا أَنْزَلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا يَوْمَ الْفُرْقََانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعََانِ} [3] .
وكان التقاء الجمعين أعنى المسلمين والمشركين يوم بدر في السّابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة.
وكان أوّل ما نزل عليه من الوحى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [4] .
ولقد تلقّاه الرسول مجهودا، وانصرف به مشدوها، ووقف في مكانه بعد خروجه من حراء ناظرا في آفاق السماء، لا يتقدم أمامه، ولا يرجع إلى الوراء. إلى أن ارتدت إليه نفسه، وانتهى إلى خديجة وهو يحس هزّة المقرور، فقص عليها القصة.
فقالت: أبشر، فإنك تطعم الطعام، وتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتؤدّى الأمانة، لا يصنع الله بك إلا خيرا.
ثم جمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزّى بن قصىّ وكان نصرانيا قد قرأ الكتب، وقد مرّ بك أنه كان بين أربعة من القلة الواعية ذات الرأى والفكر فقصّت عليه
(1) يقول البلخى في كتابه البدء والتاريخ (4: 13) : «وهو الخامس والعشرون من أبان ماه، التاسع من شباط، وذلك في سنة عشرين من ملك أبرويز» .
(2) البقرة: 185.
(3) الأنفال: 41.
(4) العلق: 1.