أما تواترها عن النبى، صلى الله عليه وسلم، ففيه نظر.
ومن الناظرين في رسم القرآن فريق صرفهم الإجلال له عن أن يفصلوا بين ما هو وحى من عند الله حرّك به لسان رسوله، وبين ما صوّره كتّاب الرسول حروفا وكلمات.
وأنت تعرف أن الكلمة الواحدة قد تختلف صورة رسمها على أيدى كتبة يستملون عن ممل واحد، إذا اختلفت طرق تلقيهم للإملاء، غير أنهم حين يلفظون هذه الكلمة مجمعون على نطق واحد.
وما من شك في أن القرآن الكريم تعرّض رسمه لهذا الخلاف، وكان حفظ الله له في بقاء حفظته، يعى الناس عنهم أكثر ما يعون عن القراءة، وكانوا بهذا مطمئنين وحين عدت العاديات على الحفظة بدأ الخوف يدبّ، وبدأ تفكير الصحابة يتجه إلى ما هو أبقى، أعنى جمع القرآن مكتوبا.
وكانت محاولة أبى بكر وعمر التى مرت بك، واجتمع للناس قرآنهم مكتوبا، وبدأ شغلهم بما هو مكتوب يزحم شغلهم بما هو متلوّ، أو يعادله. وأخذ الرسم يملى برسمه ويقوّمه الحفظ، في فترة لم يكن الصحابة فيها أبعدوا كثيرا عن فترة نزول القرآن.
وما كانت الأمة العربية عهد كتابة الوحى أمة عريقة في الكتابة، وما كان كتاب النبى إلا صورة من العصر البادئ في الكتابة، ولم تكن الكتابة العربية على حالها اليوم من التجويد والكمال إملاء ورسما.
ونظرة في رسم المصحف، وما يحمل من صور إملائية تخالف ما استقر عليه الوضع الإملائى أخيرا، تكشف لك عما كان العرب عليه إملاء، وعما أصبحنا عليه نحن إملاء.