وما كانت الأمة العربية عهد كتابة الوحى أمة عريقة في الكتابة، وما كان كتاب النبى إلا صورة من العصر البادئ في الكتابة، ولم تكن الكتابة العربية على حالها اليوم من التجويد والكمال إملاء ورسما.
ونظرة في رسم المصحف، وما يحمل من صور إملائية تخالف ما استقر عليه الوضع الإملائى أخيرا، تكشف لك عما كان العرب عليه إملاء، وعما أصبحنا عليه نحن إملاء.
وحين أطل عهد عثمان كاد اختلاف الناس في قراءة المرسوم يجرّ إلى خروجهم على المحفوظ، من أجل هذا فزع عثمان إلى نفر من الصحابة كتبوا للرسول وحيه، ليدركوا هذا المرسوم، كى يخرجوا منه بصورة خطية تصور ما أجمع عليه الحفّاظ.
وقد لا يفوتك أن الخط العربى، عصر كتابة الوحى إلى أيام عبد الملك بن مروان، لم يكن عرف النقط المميز للحروف في صورته الأخيرة، كما لم يكن عرف شكل الكلمات، وبقى المصحف المرسوم ينقصه النقط في صورته الأخيرة وينقصه الشكل، وعاش يحميه حفظ الحفّاظ له من اللحن. غير أن الأمة العربية كانت قد انتشرت، وأظل الإسلام تحت لوائه أمما مختلفة، وأصبح الحفظ في هذه البيئة الواسعة، وبين هؤلاء الأقوام المختلفين، لا يغنى غناءه أيام أن كانت البيئة محدودة والأقوام غير مختلفين، من هنا كان لا بدّ من نقط وشكل على يد الحجّاج، كما مر بك.
ولقد كانت هذه المراحل التى مرّ بها جمع القرآن وكتابته ونقطه وشكله نتيجة لقصور الكتابة العربية والخط العربى. إذ لو كانت في كما لهما اليوم لما احتاج القرآن في رسمه إلى مرحلة بعد مرحلة، ولكتب يوم أن كتب للمرة الأولى في صورة أخيرة.
ونحن بحمد الله، على الرغم من بعد عهدنا بنزول القرآن، لم نبعد
عن وعيه كما أنزل، تصديقا لقوله تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (1) ، غير أنه يجب أن يلفتنا إلى قرآننا ما لفت الشيخين عمر وأبا بكر إليه، ثم ما لفت عثمان إليه، ثم ما لفت الحجاج إليه. فهذه لفتات أحسّ فيها أصحابها الخوف من أن يمس القرآن سوء، جمعوه للناس مكتوبا يوم أن خافوا ذهاب الحفاظ، ثم أجمعوا على مصحف واحد يوم أن خافوا تفرق الناس على مصاحف، ثم نقطوه وضبطوه يوم أن خافوا أن يتفرق الناس في قراءته.