وسوف نرى أن كل ما يتصل بها هو ترتب أحكام اقتضاها التشريع السماوى الذى أملاه نزول القرآن مجزّأ لوفق أحوال المسلمين وتدرجهم في الحياة، الأمر الذى قدمنا عنه حديثا عند الكلام على نزول القرآن مجزّأ لا جملة واحدة.
ويعد المفسرون هذا من المتشابه في القرآن الذى لا يعلم تأويله إلا الله، غير أن ابن قتيبة يرى أن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنى أراده. ويقول: فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلّق علينا بعلة.
ويمضى ابن قتيبة في حديثه فيقول: وهل يجوز لأحد أن يقول:
إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرفه مع قوله تعالى {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ} [1] جاز أن يعرفه الرّبانيون من صحابته. فقد علّم عليّا التفسير.
ودعا لابن عباس فقال: اللهم علّمه التأويل وفقّهه في الدين.
ثم يقول ابن قتيبة: وبعد. فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شئ من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور.
ويقول ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ} [1] : فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم، وأنت إذا أشركت الراسخين في العلم انقطعوا عن «يقولون» ، وليست هاهنا «واو نسق» توجب للراسخين فعلين؟ قلنا له: إنّ «يقولون» ، وليست هاهنا في معنى الحال، كأنه قال:
والراسخون في العلم قائلين آمنا به [3] .
(1) آل عمران: 7
(3) تأويل مشكل القرآن (7372) .