فلقد سعدت مرضعته حليمة به، وانتقلت من شقاوة إلى نعيم، ومن شدّة إلى لين، ولقد شبّ لا يأخذ فيما يأخذ فيه لداته من لعب، وما عهدت عليه كذبة ولا زلة، وما عكف على صنم، ولا شرب خمرا، ولا وضع يده في ميسر، ولا استنام لترّهة، ولا شارك في قبيحة بل عاش عفّا صادقا أمينا حليما رحيما، تجر لخديجة قبل أن يصبح لها زوجا فبهرتها أمانته، ورأى للقرشيّين حين اختلفوا في وضع الحجر، وكادت تثور بينهم الحرب، فكان نعم الرّائى، ونفر ممّا كانت تفعله العرب من وأد لبناتهم، وكان حربا عليه، واشمأز ممّا كانت تستمتع به العرب من موبقات، وكان حربا على نفسه قبل أن يكون حربا عليهم، وحين برز بهذه الصفات في بيئته، وبين قومه، برز الناظرون في الكتب المقدّسة
يعرضون ما يجدونه مكتوبا على ما يجدونه مرئيا ومسموعا، فإذا هم يرون في محمد، هذا الرسول المرتقب.
فلقد جاء على لسان موسى في وصيته ما يبشّر بعيسى، ثم بمحمد من بعده، حين قال: «جاء الربّ من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران» .
والمراد بساعير: جبال فلسطين حيث ظهر عيسى، وبفاران مكة [1] .
وفى الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية (الآية: 15) : إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: «قل لبنى إسرائيل إنى أقيم لهم آخر الزمان نبيّا مثلك من بنى إخوتهم» .
ولقد جاء بعد موسى عيسى، وهو من بنى إسرائيل، وكان مقتضى قول الرب لموسى أن يكون ثمّة نبىّ مرتقب بعد عيسى. ولقد كان محمد من ولد إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحاق، وإسحاق جد بنى إسرائيل، فإخوتهم هم بنو إسماعيل.
تزكّى هذه الآية (18) من الإصحاح (25) تكوين: «وسكنوا أى أبناء إسماعيل من حويلة إلى شور التى أمام مصر حينما تجىء نحو آشور أمام جميع إخوته نزل» .
كما تزكيه الآية (12) من الإصحاح (16) تكوين: «وأمام إخوته يسكن» .
(1) انظر معجم البلدان لياقوت. صفة جزيرة العرب للهمدانى. الإعلام بأعلام بيت الله الحرام للنهروانى.