جعلناه بعضه في إثر بعض، منه ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل في عقب واقعة أو سؤال، ليكون في تتابعه مع الأحداث وما تثيره من شكوك، ما يرد النفوس إلى طمأنينة، والأفئدة إلى ثبات:
وإنك لو تتبعت أسباب النّزول في القرآن، ومواقع الآيات، لتبيّنت أن رسالة الرسول لم تكن جملة واحدة، ليكون القرآن جملة واحدة، بل كانت أحداثا متلاحقة تقتضى كلمات متلاحقة.
فلقد نزلت آية الظّهار في سلمة بن صخر، ونزلت آية اللّعان في شأن هلال بن أمية، ونزلت آية حد القذف في رماة عائشة، ونزلت آية القبلة بعد الهجرة، وبعد أن استقبل المسلمون بيت المقدس بضعة عشر شهرا، ونزلت آية اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى حين سأل عمر الرسول في ذلك كذلك كانت الحال في الحجاب، وأسرى بدر، وغير ذلك كثير، فكان القرآن ينزل بحسب الحاجة خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر وأقل، وقد صح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة، كما صح نزول عشر آيات من أول «المؤمنين» جملة، وصح نزول {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [1] وحدها، وهى بعض آية، وكذا {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [2] ، إلى آخر الآية، وهى بعض آية، نزلت بعد نزول أول الآية.
(1) النساء: 94.
(2) التوبة: 29.