فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 139

وإذا حكم عليه بالموت هل يسمح له بكتابة وصيته ووداع أسرته والسير في جنازته؟ الحق أن في هذه الأسئلة إيماءات خفيفة إلى ما يقع، وهى توجه الباحثين إلى تعرف مراحل الفساد في القضايا السياسية، وطرق الإجهاز على المعارضين. وأحسن إجابة على تلك الأسئلة ما ذكره الأستاذ مصطفى أمين في هذه القصة: دق الباب في منزل تاجر في دمشق، وفتح التاجر الباب، وقال له ضابط كبير في الشرطة: أريد أن أحدثك في أمر هام، قال التاجر: تفضل. وبعد التحية المعتادة قال الضابط الكبير: إن وزارة الداخلية السورية عثرت في أرشيفها على ملف التاجر السورى، واكتشفت أنه كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين في عام 1930 وتوقع الضابط الكبير أن يغمى على التاجر، أو أن يركع على قدميه طالبا العفو والمغفرة، فعضوية الإخوان المسلمين في سورية جريمة فظيعة يستحق مرتكبها الإعدام بغير محاكمة، ولكن التاجر ابتسم ومد يده إلى درج بجواره، وأخرج ورقة وقدمها للضابط الكبير وهو يقول: هذه شهادة ميلادى وفيها أننى ولدت سنة 1924 فكيف أكون عضوا في الإخوان المسلمين سنة 1930 وعمرى ست سنوات؟؟ بل كيف أكون في الثلاثينات عضوا في جمعية الإخوان المسلمين التى لم تتألف في سوريا إلا في الأربعينيات؟ ولم يهتز الضابط الكبير وقال: إن ملف وزارة الداخلية ورقة رسمية لا يأتيها الشك من خلف ولا من قدام ولا يجوز الطعن فيها أمام المحاكم. وهى أصدق من شهادة الميلاد! وقبض على التاجر السورى ووضعه في السجن!

هذا التلفيق هو سمة عهود الظلام. فعند إطفاء الأنوار يظهر الملفقون والمزورون والنصابون .. ويصبح التلفيق أساس الملك، فإذا أراد أحد الطغاة أن يتخلص من منافس له في حب فتاة أو أن يقتنص زوجة من زوجها، أو أن يحتل شقة تعجبه أو أن ينتقم من جار يكرهه أو أن يتقرب إلى صاحب جاه أو سلطان، فليس أسهل عليه من أن يلفق اتهاما، ويزور أدلة، ويختلق مستندات، وما أكثر شهود الزور في عصور الطغيان يقسمون على دفتر التليفون ويدعون أنهم يقسمون على القرآن، ويحلفون بالله وهم يحلفون بحياة الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت