وقد ملأ الحكم الفردى أغلب الأقطار قديما وكافحت شعوب عظيمة حتى نجت منه. وإن دفعت الثمن غاليا حتى استردت حريتها وكسرت قيودها .. وشهدت الإنسانية عصرا من الشورى على عهد الخلافة الراشدة، كان الحاكم فيه نموذجا رفيعا للإنسان الطيب المتواضع، اللين الجانب، الرحيم بالناس، السليم من علل التطلع والكبر، الذي يرى الكبير أبا والصغير ابنا والباقين إخوة. الملتزم بقوله تعالى:"تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا". ولم تقم للشورى يومئذ أجهزة دقيقة لأن طبيعة الحياة كانت تقوم على البساطة .. ومع ذلك فإن أرقى ما وصل إليه"الغرب"في حضارته الإنسانية، أو في فن الحكم، لم يزد عما حققته الخلافة الراشدة من أربعة عشر قرنا .. قرأت حوارا بين الرئيس كيندى ـ الرئيس الأسبق للولايات المتحدة ـ وبين ممثلى بعض الصحف الأمريكية، قال فيه صحافى يتحرى الحقائق لأكبر زعيم في العالم: مستر كيندى، هل رحلة زوجتك إلى أوروبا على نفقتك الخاصة أم من مال الدولة .. ؟ وأدلى"كيندى"بما عنده دون تأفف .. وذكرت للفور حوارا مماثلا دار بين عمر بن الخطاب وسلمان الفارسى: قال سلمان لعمر بن الخطاب: نرى ثوبك طويلا سابغا وكلنا كميش الإزار، ما حصل أحدنا إلا على ملبس قصير فمن أين لك هذا؟ وأحس عمر كأنه متهم باستغلال الحكم فقال: قم يا عبد الله بن عمر فحدث الناس… وقام عبد الله يقول: إن نصيب أبى من الثياب المفرقة لم يكن بغنية لأنه رجل طوال، فمنحته نصيبى ليكمل حلته .. ! واتضح الموقف، وقال سلمان: الآن قل نسمع .. !! ص _055