فهرس الكتاب
الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". [1] "
ولا إشكال في مؤاخذة الحي بالندب والنياحة؛ لأنَّ ذلك أمر منهي عنه [2] ، وإنما الإشكال في مؤاخذة الميت بذلك. [3]
وقد اختلف العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث على مسلكين:
الأول: مسلك الجمع بين الآية والحديث:
وعلى هذا المسلك عامة العلماء، من محدثين، ومفسرين، وفقهاء؛ إلا أنهم اختلفوا في الجمع على مذاهب:
الأول: حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، وتأويل الآية.
ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الميتَ يُعذَّبُ بمجرد بكاء أهله عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك.
وهذا مذهب: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، رضي الله عنهما. [4]
أما مذهب عمر - رضي الله عنه -، فيدل عليه قصته مع صهيب، فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ [5] إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (1304) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (924) .
(2) وردت عدة أحاديث في تحريم النياحة على الميت، منها:
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ". أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (67) .
وحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ". أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (1294) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (103) .
(3) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (1/ 55) .
(4) انظر: فتح الباري، لابن حجر (3/ 183) ، وشرح الصدور، للسيوطي، ص (283) .
(5) البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وقد تكرر ذكرها في عدة أحاديث، ويراد بها اسم موضع مخصوص، وهو ذو الحليفة بالقرب من المدينة على طريق مكة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (1/ 171) .