قالوا: وهذان الوجهان لا مانع من تَمَنِّيَ الموت بسببهما؛ لأنَّهما من الفتنة في الدِّين، وقد تقدم أَنَّ تَمَنِّيَ الموت والحالة هذه لا مانع منه، ولا يُخالف أحاديث النهي.
الثاني: مسلك الترجيح بين الآيات والأحاديث:
ولأصحاب هذا المسلك مذهبان:
الأول: أَنَّ النهي في الأحاديث منسوخٌ بالآيات، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة:"اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى" [1] .
حكى هذا القول ابن بطال ولم يَنْسُبه لأحد. [2]
وتعقبه: بأَنَّ الأمر ليس كذلك؛ لأنَّ هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت، ولا مانع من ذلك. [3]
كما أن أحاديث النهي قد جاء فيها ما يفيد جواز الدعاء عند حضور الأجل، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم:"وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ" [4] ، فظاهر هذه الرواية جواز الدعاء عند حضور الأجل. [5]
المذهب الثاني: أَنَّ الآيات منسوخة بالأحاديث.
نقل هذا المذهب النحاس ورَدَّه. [6]
عند حكاية أقوال المفسرين - في تفسير آيتي يوسف ومريم عليهما السلام - يظهر أنَّ الجميع متفقٌ على أنَّ معنى الآيتين لا يُخالف أحاديث النهي عن تمني
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، حديث (4437) .
(2) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 135) .
(3) انظر: المصدر السابق.
(4) سبق تخريجه في أول المسألة.
(5) انظر: طرح التثريب، للعراقي (3/ 254) ، وفتح الباري، لابن حجر (10/ 135) ، وعمدة القاري، للعيني (23/ 226) .
(6) انظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (2/ 474) .