كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ورَاثَةِ مَالِهِ حِينَ قَالَ: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)". [1] فهذا يدل على أَنَّ الأنبياء يُورَثون المال. [2] "
وتُعُقِّبَ: بأنَّ الحديث لا يصح.
المذهب الثالث: أَنَّ الحديث محمولٌ على أَنَّ ذلك هو الغالب من فعل الأنبياء وسِيرَتِهم، ولا ينفي أَنْ يكون هناك من يُورَث، كزكريا عليه السلام.
وهذا مذهب القاضي ابن عطية، حيث قال - في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) :"والأكثر من المفسرين على أنَّه أراد وراثة المال [3] ، ويَحتَمِلُ قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"أَنْ لا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أَنْ يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة ...". اهـ [4]
وقال:"ويَحتَمِلُ قوله عليه السلام:"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"أَنْ يُريد به أَنَّ ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإنْ كان فيهم من وُرِثَ ماله كزكريا على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أَنَّ ذلك فيه فعل الأكثر". اهـ [5]
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مذهب الجمهور: بأنَّ الأنبياء جميعًا لا يُورَثون، وقد دلَّ على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"،
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (8/ 308) ، عن الحسن مرسلًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 3) ، عن قتادة مرسلًا، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير في تفسيره (8/ 308) . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 118) :"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح".
(2) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (21/ 157) ، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (16/ 66) .
(3) الأصح أن الأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة النبوة والعلم، وقد تقدم نقل ذلك في أول المسألة.
(4) المحرر الوجيز (4/ 5) .
(5) المصدر السابق (4/ 253) .