ومفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وفيه تنبيه على أنَّ الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبإسماع الله تعالى إياهم، خرقًا للعادة، ومعجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. [1]
الدليل الثالث: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ عمر وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم أنَّ الموتى لا يسمعون، يدل على ذلك رواية:".... فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" [2] ، وقد صرح عمر - رضي الله عنه - أنَّ الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة، وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر، فصارحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليزيل إشكالهم، فبين لهم حقيقة الأمر، وبهذا يتضح أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم؛ لأنه لم يُنكِرْه عليهم، ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلق سماع الموتى، ولا أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على ذلك، ولكنه بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا، وأنَّ ذلك أمر خاص مستثنى من الآية، معجزة له - صلى الله عليه وسلم -. [3]
واعتُرِضَ: بأنَّ سماع الموتى قد ثبت في غير هذه القصة، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ"
نِعَالِهِمْ ...." [4] ، فقد أثبت في هذا الحديث سماع الميت لقرع النعال، فدل على عدم اختصاص ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم -."
(1) انظر: روح المعاني، للآلوسي (21/ 77) ، ومقدمة الألباني على كتاب"الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، ص (29) .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 287) . وسنده صحيح على شرط مسلم.
(3) انظر: فتح الباري، لابن حجر (7/ 354) ، ومقدمة الألباني على كتاب"الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، ص (30 - 31) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (1338) ، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (2870) .