فهرس الكتاب
قدم الطلوع؛ لأن مدار عدم قبول التوبة متوقف عليه. [1]
ومما يؤكد أنَّ الترتيب غير مراد في الحديث: ذكر الدجال بين طلوع الشمس وخروج الدابة، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنَّ طلوع الشمس وخروج الدابة قريبان من بعضهما، ونص الحديث: «وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا» . [2] ، وقد تقدم أنَّ مدة مكث الدجال إلى أن يقتله ابن مريم تُعد طويلة، وهذا دليل واضح بأن طلوع الشمس ليس بأول الثلاث، والله تعالى أعلم.
الإيراد الثالث: إذا كانت التوبة لا تنقطع إلا بطلوع الشمس من مغربها، فما فائدة ذكر الدجال والدابة في الحديث؟
والجواب: أنَّ ذكرهما هو بمثابة التحذير والإعلام بقرب طلوع الشمس من مغربها، فكأن خروجهما إرهاصٌ وإيذانٌ بقرب طلوع الشمس من مغربها، يدل على ذلك: حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا .... ، فذكر الدخان، والدابة، والدجال» . [3]
= قوله تعالى: (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدي وارْكَعي مَعَ الرَّاكِعِيْنَ) [آل عمران: 43] . حيث قدم السجود على الركوع، ولو كانت الواو تفيد الترتيب؛ لقدم الركوع على السجود، وقال تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: 58] ، وقال في سورة الأعراف: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) [الأعراف: 161] ، فقدم وأخر مع أن القصة واحدة. وللمزيد انظر: معاني القرآن، للفراء (1/ 396) ، والمقتضب (1/ 10) ، والكامل في الأدب (2/ 529) ، كلاهما للمبرد، ومعاني الحروف؛ للرماني، ص (59) ، والصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، ص (157) ، والفصول في الأصول، للرازي (1/ 83) ، وكشف الأسرار، للبخاري (2/ 109) ، وشرح التلويح، للتفتازاني (1/ 188) ، ونيل الأوطار، للشوكاني (1/ 124) ، وفتح القدير، له (1/ 153) ، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم، لمحمد عضيمة (3/ 521) ، وأصول الفقه الإسلامي، لوهبة الزحيلي (1/ 378 - 381) .
(1) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (10/ 107) . وللإمام ابن القيم الجوزية كلام نفيس في فوائد التقديم، حيث ذكر أن المعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال. وقد فصَّل ومثل لذلك، فانظره في كتابه «بدائع الفوائد» (1/ 58) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (2941) .
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (11/ 227) ، حديث (31062) ، والطبراني في الكبير =