ثلاث كذبات، كلها في الله، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أنْ يكون الله تعالى ذكره أذن لخليله في ذلك، ليقرع قومه به، ويحتج به عليهم، ويعرفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف: 70] ولم يكونوا سرقوا شيئًا». اهـ [1]
وقال - بعد أنْ ذكر الأقوال في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) : «وقال آخرون: إن قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كلمة فيها مِعْراضٌ، ومعناها: أنَّ كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف هذا القول، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحق دون غيره» . اهـ [2]
وقال ابن حزم: «أما الحديث: أنه - عليه السلام - كذب ثلاث كذبات، فليس كلُ كذبٍ يكون معصية، بل منه ما يكون طاعة لله عز وجل، وفرضًا واجبًا يعصي من تركه .... ، وقد أجمع أهل الإسلام على أنَّ إنسانًا لو سمع مظلومًا قد ظلمه سلطان، وطلبه ليقتله بغير حق، ويأخذ ماله غصبًا؛ فاستتر عنده، وسمعه يدعو على من ظلمه، قاصدًا بذلك السلطان، فسأل السلطانُ ذلك السامع عما سمعه منه، وعن موضعه؛ فإنه إن كتم ما سمع، وأنكر أنْ يكون سمعه، أو أنه يعرف موضعه أو موضع ماله؛ فإنه محسن مأجور، مطيع لله عز وجل، وأنه إن صدقه فأخبره بما سمعه منه، وبموضعه وموضع ماله؛ كان فاسقًا عاصيًا لله عز وجل، فاعل كبيرة، مذمومًا تمامًا.
وقد أُبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية، وكل ما روي عن إبراهيم - عليه السلام - في تلك الكذبات فهو داخل في الصفة المحمودة، لا في الكذب الذي نهي عنه». اهـ [3]
الثالث: مسلك تأويل الآيات، ورد الحديث وإنكاره.
وهذا رأي الفخر الرازي، حيث قال: «واعلم أنَّ بعض الحشوية روى
(1) تفسير الطبري (9/ 41) .
(2) المصدر السابق (10/ 501) .
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (2/ 290 - 291) .